وكالة وطن 24 الاخبارية

يتراءى للبعض أنها فتنةٌ تهدف استخلاق شرخٍ في النسيج الفلسطيني المُثلم على امتداده، الغريب أن هذا البعض لم يُدرك بعد عناصر المُركب الذي بخيوطه حِيّكَ هذا النسيج، وبأنه هنالك من الخطوط الحُمر رغم الواقع الاجتماعي المعقد الذي تَشكّل فور النكبة لا يمكن المساس بها، فهذا عهدٌ حفظته عراقة الشعب وأصالة جذوره الضاربة في الأرض ثباتاً.

 لا؛ هي ليست بِفتنة بل هي استمرارٌ لمسلسلٍ قديم من الممارسات الحاقدة على كل ما من شأنه الإشارة لإرثٍ إنساني هنا أو معلمٍ يشهد على حضارةٍ كانت هناك، أو حتى رمزٍ يتصل وقيم وتاريخ إنسان هذه الأرض. 

ذات الممارسات ارتكبتها قوىً ظلامية ضد البشرية على مرّ العصور وببقاعٍ عديدة في هذا العالم. وبعيداً عن الخوض في الوسائل البشعة التي انتهكت الكرامة الإنسانية في حديثِ عصرنا كما جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها النازيون في ألمانيا، أو الهجوم النووي الكارثي الذي استهدف هيروشيما وناغازاكي في اليابان وغيرها من الفظائع التي شهدتها البشرية، نجد أن استهداف عناصر ورموز الهويات الوطنية هي العامل المشترك في عقيدة قوى الشرور تلك.
 
لقد كان نصيب الفلسطيني من مثيل تلك الممارسات كبير برزَ منذ ما يُقارب القرن ولا يزال، حيث العديد من الشواهد تدلل على حجم ما تعرض له كما أرضه وإرثه، و يبدو من خلال المرور عليها أن الحرق كان من أبرز الوسائل التي مورِست بحقه. فبالأمس أحرقوا شجرة الميلاد في سخنين لتنثال فورها مشاهد الحرق في الذاكرة الفلسطينية، تلك التي استهدفت الإنسان والحجر والشجر فتتراءى الأساليب التي اتبعتها عصابات الصهيونية قبيل النكبة وبعدها حاضرة، مروراً بحادثة حرق المسجد الأقصى عام 1969، وقصف بيروت الغربية حيث تواجدت القيادة الفلسطينية بالقنابل الفسفورية والنابالم الحارقة إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان حزيران العام 1982، إلى محاولة حرق مسجد حسن بك التاريخي في مدنية يافا المحتلة، وحرق الطفل المقدسي (محمد أبو خضير) حياً حتى الموت على يد متطرفين عام 2014، لمحاولة متطرف حرق كنيسة الجثمانية في مدينة القدس المحتلة بداية الشهر الحالي، كما حرق المنازل والحقول وأشجار الزيتون تحديداً المُعمّر منها ولمئات السنين. لنندفع فورها بالتساؤل حول ماهية الفرق بين مرتكبي هذه المحارق وأولئك الذين حرقوا الطيار الأردني (معاذ الكساسبة) حياً حتى الموت عام 2015 !
 
لم تقف الممارسات حد الحرق؛ بل اتخذت من الصنوف العديد إلا أن الثابت المتكرر منها هو استهداف المعالم الحاضرة لتاريخ فلسطين والشاهدة على إرث إنسانها، حيث نبش المقابر ومسحها، وهدم الخِرب الأثرية والأديرة، والاستهداف العسكري الدائم لمعالم المدن الفلسطينية كما حدث بداية الانتفاضة الثانية حين استهدف القصف الإسرائيلي المناطق القديمة في مدينتي نابلس وغزة. الأصعب هو وانتهاك قدسية دور العبادة من كنائس ومساجد وحتى المقامات كما حدث بالأمس في مقام النبي موسى من خلال الممارسات الماجنة، أو حتى استغلالها كدور عبادة لاستهداف الإنسان كما حدث فور سيطرة حركة حماس على قطاع غزة حيث تحولت المساجد لأقبية تحقيق وتعذيب بل وقتل نذكر منها حادثة إعدام أحد الفلسطينين كان قد لجأ لمسجد شرقي مدينة غزة فور مطاردته.  
 
وبخلاف حرص قادة كيان الإحتلال على تزييف تاريخ فلسطين ووأد إرث إنسانها، نلمس أن هناك إصراراً دائماً على استهداف الأماكن والرموز الدينية الماثلة على الأرض التي اعتبرت مهد الأنبياء، ومن قٍبل أولئك الذي اتخذوا من الأديان ستاراً لتطرفهم وسياقات أدوراهم الظلامية. فما يضيرهم إنارة الشجرة لبعث روح الإخاء والمحبة بين الناس في رمزيةٍ لرسالة رسول السلام في ذكرى ميلاده المجيد! ولأين سيصلون عند إحراق الكنائس التي فيها تُرفع الصلوات لرب العباد وتوقد شموع الرجاء! ولصالح مَن تُدنس المساجد وتنتهك حراماتها في الوقت الذي تحتضن فيها جباه الراكعين لله توحيداً وتسليما كما حدث في مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل ! وهل باتت مقامات الانبياء والصالحين مسرحاً ليرتعوا فيه دناءةً وانحداراً إنسانيّ ! لقد بات من الجلي هنا أنها ليست بفتنة بل هي حقيقة يتوحد ضمنها أولئك الذين يشتركون على اختلاف مرجيعاتهم في تشويه رسالة الله والانتقام من رسله وأنبيائه وانتهاك الكرامة الإنسانية ثأراً لشرورهم وظلامية مساراتهم. ورغم ذلك كله سيبقى الشعب الفسطيني لصليبه وهلاله وحتى نجمة نبينا داوود عليه السلام حافظاً، وبعيشه المشترك متشبثاً وله حامياً فهذا عهده عبر العصور، لكن يستوجب أن يتركز ذلك من خلال توجهات وطنية حاسمة تحمي المكون الأصيل لشعبنا وتحفظ له إرثه وتاريخه وحضارته.
 
بقلم: ميساء أبو زيدان.