وكالة وطن 24 الاخبارية

شهد العالم بالأمس ما تعرضت له ديمقراطية دولة الحريات؛ في موقفٍ بدى للمتابع وكإنه استحضارٌ لأحداثٍ أليمة واجهتها عواصم عربية عديدة تتبع منطقتنا التي لطالما استُهدِفت خلال عقدين من الزمن بمشاريع واشنطن، تلك التي اتخذت من حماية الحريات والتعددية وتعزيز الديمقراطية مفهوماً وممارسةً شعاراتٍ لها، بذات الوقت الذي أشرفت خلاله بل أدارت فوضى المنطقة (الخلّاقة) فأمسى ربيعها بركاناً استهدف إنسانها واستقرار بلدانها مُستعينةً بأدوات شكلتها بصيغٍ عقائدية متعددة. وبرصاص الآلة التي نهشت أجساد أطفالنا في سوريا واليمن وليبيا والعراق، قُتلت في نفس الموقف واحدة من المحتجين الذين هاجموا مبنى الكونغرس الأميركي رفضاً لنتائج الانتخابات الرئاسية كونها جاءت بخلاف رغبة زعيم اليمين الأميركي المتشدد الذي تَطرّف محرضاً مناصريه، كما كان قد تغول تهديداً وابتزازاً لقادة منطقتنا، اليمين الحليف لمثيله في الكيان العنصري الإسرائيلي. 

تسمرت الوجوه من حول العالم مشدوهةً تتابع المشاهد الواردة من قلب الحدث مترقبة لما يمكن أن يؤول له، علّ الشعبوية الترامبية تفضي لما يشفي غليل شعوبٍ عديدة عانت من القوة التي استباحت العالم وتحكمت بإرادته المتمثلة بالإطار الأممي، الحال الذي يدلل كم ضاق العالم بسياسات الولايات المتحدة الخارجية ذرعاً، لكن يبدو أن موضوعية حصر الموقف بالترامبية كحقبة وسياسات يشوبها الإجحاف، إذ أن دونالد ترامب لم يأتِ بسياساتٍ تخالف مصالح واشنطن الخارجية، ولم يختلف عن مواقف سابقيه من قاطني البيت الأبيض تجاه مختلف الملفات تحديداً في الشرق الأوسط، بل انحصر الاختلاف في الميكانيزمات التي اتّبعها، ولنا نحن في قلب العالم أن نتتبع حجم الفروقات بالسياسات التي انتهجها كُلّ مَن جلس خلف المكتب البيضاوي سواءَ كان ممثلاً للفيل الجمهوري أو الحمار الديمقراطي والخاصة بمنطقتنا العربية. 

إلى جانب واقع الديمقراطية (في البلد الذي تفرّد بقانونه الخاص بحيازة السلاح) ومدى استنادها لقيّمٍ ومبادئ فاعلة، تابعنا كيف أديرت الأزمة الناجمة عن جائحة كورونا في النصف الشمالي من العالم الذي امتاز دوماً بمكانة الإنسان في دوله، لندرك أخيراً حقيقة المعايير التي تقوم عليها دول العالم (المتحضر) التي ما انفكت تباهي بامتلاكها مقومات مدنية المجتمعات، وحثّ دول العالم (الثالث) كي تحذو حذوها بهذا الشأن، بل تشترطها مرتكزات لتؤسس علاقات التعاون مع الآخر. 

كل ذلك وضع كافة الأطراف أمام مراجعاتٍ نقدية لتلك المجتمعات التي ارتقت (مكانةً) في سلم الإنسانية مما منحها صك التدخل في مختلف بقاع العالم، كما تَدخُل أطرافٌ عديدة في الاستحقاق الفلسطيني الديمقراطي بذريعة ضمان امتلاك الفلسطينيين المقدرة لإقامة دولة المؤسسات!

بذات السياق؛ شهدنا حرص أطراف عدة على ديمقراطية المنظومة السياسية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو ليومنا هذا، كما لمسنا انخراط أطراف فلسطينية في هذا الاستحقاق رغم تحريمها وتجريمها المشاركة به في مراحل سابقة! بالوقت الذي لم تتخذ فيه تلك الأطراف (محلية، دولية) مواقف جادة تجاه ما مُورسَ إسرائيلياً ضد الكيانية الناشئة التي جاءت تجسيداً لإرادة عربية- دولية ارتبطت بالصراع، بل جاءت المطالبات حاسمة تجاه الطرف الفلسطيني، وخجلة بل متجاهلة لما يتفرد به الطرف الإسرائيلي من سياسات تنكرت بالمطلق لتلك الإرادة بل انتكتها بمجمل مستوياتها ومرجعياتها وبمختلف الميادين، نستذكر هنا موقف الولايات المتحدة الخاص بالانتخابات التي أُجريت عام 2006، حيث اتخذَ حينه صوراً عديدة منها المُعلن النمطي المتوافق ومكانة القوة الأوحد في العالم، ومنها الضمني الذي تجسدّ تدخلاً متحيزاً غير مباشر قُبيلّ إجرائها وعبر أساليبٍ ومجالات متنوعة وبالطبع لصالح طرفٍ محدد، لِتُحاسب الدولة (مصنع الديمقراطية) فور إعلان نتائج الإنتخابات الفلسطينيّن على ما أقرّوه عبر صندوق الإقتراع لمنظومتهم السياسية، لا حرصاً على تصدر طرف على حساب آخر المشهد بل لتكريس ما تشهده الساحة الفلسطينية بحاضرنا. 

مجمل ما سبق يضعنا فلسطينياً أمام منطعف حرج يتطلب تجاوزه بأمانٍ وطني استيضاح ماهية الديمقراطية المطلوبة لإجراء الاستحقاق بمستوياته الثلاث، خاصةً وأننا أمام تحدٍ داخليّ جسيم يتمثل بالإرادة المرتبطة لأحد مكونات خارطتنا السياسية، سيّما وأنها تُصاغ بمعادلاتٍ تتسق وكونه مكوّن ذراع لتشكيلٍ دولي لا بما يقتضيه مسارنا النضالي التحرري. لذا باتت القيادة الفلسطينية اليوم أمام الاختيار بين تحقيق الديمقراطية كمقوّم بما يحويه الواقع الداخلي الراهن من تعقيدات ومعطيات وبظل الضغوطات الخارجية التي تنادي لذات الأمر لاعتباراتٍ إقليمية، بغض النظر عما يمكن أن ينتج بحال تم إجراء الانتخابات وبالصيغة المطروحة، وبين تصليب الموقف الفلسطيني بحيث تغدو العملية الديمقراطية الضمان الفعلي لتجديد الشرعيات، تلك الكفيلة بصون الوطنية الفلسطينية وحمايتها من إحلال المشاريع البديلة.

 

 بقلم: ميساء أبو زيدان.