وكالة وطن 24 الاخبارية

 تابع العالم الانتخابات الرئاسية الأميركية مترقباً بقلقٍ بالغ مخاضها ، كونها شهدت وللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة احتداماً فعليّ كان قد انتقل للشارع بل وتطور لعاصفة مست بجوهر العملية الديمقراطية في بلدٍ اعتُبِر نموذجاً لها، وتربصت بسلمية انتقال السلطة الذي تمَّ رغم ما أحاط المشهد برمته.

 لكن مرد ذاك القلق ارتبط حقيقةً بمدى تمكّن اليمين المتطرف الشعبوي من النظام القائم في الولايات المتحدة عبر دور زعيمه دونالد ترامب في البيت الأبيض، سيّما وأن موجة يمينية شعبوية (قومية) اجتاحت بلداناً كانت قد خبرت الديمقراطية نهجاً بهدف التعرض لأنظمتها، وبذات المستوى بدا أن العالم تنفس الصعداء فور فوز الديمقراطي جو بايدن الذي اعتُبر الضمانة لعودة العلاقات الدولية لسابق عهدها والحفاظ على نهج التعاون والتعددية بالإطار الدولي.
 
الانتخابات الإسرائيلية أيضاً لن تفقد اهتمام ومتابعة قوى عالمية وأطرافاً في الإقليم، وبالتأكيد ليس بذات مستوى الاهتمام الذي حظيت به تلك الأميركية بحكم الاختلاف في ميزان القوى الدولي بين البلدين، لكن ما يبدو مشتركاً بكلتا الحالتين هو ترقب مدى تقدم قوى اليمين وتمكنها من مفاصل النظام السياسي القائم.  

المختلف بالاهتمام بسياق الحالة الإسرائيلية هو محاولة لقراءة مدى انعكاس نتائج انتخابات الكنيست المزمع عقدها آذار القادم على مسار الأحداث في المنطقة التي لا زالت تشهد من المتغيرات الكثير المفصلي. 

ومع أن أيّة انقلابات (لافتة) لن تحدث في خارطة التكتلات الحزبية في إسرائيل كون اليمين الإسرائيلي هو الذي سيطر مذ أن بات حضور اليسار الإسرائيلي هامشياً كما الوسط في المكوّن السياسي، إلا أن آلية تشكيل الحكومة القادمة تحظى باهتمام المعنيين بالشأن الإسرائيلي، انطلاقاً من مسألتين تتصل الأولى بمسار تنامي قوى اليمين الإسرائيلي المتطرف وانعكاسه على دور الجماعات العقائدية المتطرفة (المتقلص) كونها لعبت الدور الأساس في الفوضى (الخلّاقة) وعصفها باستقرار دول المنطقة، والثانية تتصل بالحلقة القادمة من مسلسل التطبيع والذي يشهد من التكهنات تلك التي كانت بالأمس القريب والقريب جداً من المحرمات، خاصةً بِظل سلسلة الاستهدافات الأخيرة لدمشق وغيرها من العواصم، الأكيد هنا هو ربط كل ذلك بالموقف الأميركي الثابت تجاه أمن إسرائيل ومصالحها.
 
السؤال الأبرز هنا ذو العلاقة العضوية بما سبق هو هل سيتمكن بنيامين نتنياهو (الذي يرُد بنفي مجموع تهم الفساد المُوجّهة له من قاضية المحكمة المركزية في مدينة القدس المحتلة بالتزامن مع إعداد هذه السطور) من تشكيل الحكومة القادمة وهو المُحاط بجملة من المُعيقات ليس أولها تهم الفساد واستمرار الاحتجاجات ضده في الشارع بِظل جائحة كورونا، ولا آخرها تشكيل جدعون ساعر حزباً جديداً سيخوض به الانتخابات القادمة بعد أن انشقَّ عن حزب الليكود. لكن؛ وبِخضم هذا كله يبدو أن نتنياهو الجريح لم يفقد من عزيمته شيئاً بل يدرك تماماً مفاصل المشهد الإسرائيلي، ويمتلك من الخبرة الكثير لقراءة الوقائع التي فًرِضتْ على المنطقة المحيط، وبما يُمَكِّنه من المواصلة متمسكاً بخوض المعركة ولكن برؤية تجاوزت معادلات معسكر اليمين وزعمائه.
 
بناءًا على ما تقدم يبدو أن أولى خطواته لم ترتكز لحلقات التطبيع الترامبية الصياغة رغم كونها ستشكل مُرتكزاً مستقبلياً إن تمكن من تشكيل الحكومة القادمة، بل انطلقت من ضرب الكتلة العربية في إسرائيل التي أحدثها عندما دفع بحفنةٍ من المغريات الواهية لمنصور عباس رئيس الحركة الإسلامية – الشق الجنوبي لِيًنشق بدوره عن القائمة العربية المشتركة، فتمنحها مؤخراً استطلاعات الرأي تراجعاً ملموساً في عدد مقاعد الحاصلة عليها داخل الكنيست بعد أن كانت قد حصدت خلال الانتخابات السابقة خمسة عشر مقعداً، وبذلك ضَمِن نتنياهو ضرب كتلة مؤثرة في المعارضة وكَفِل هامشية الدور لليسار الإسرائيلي.
 
وعليه تغدو الخطوة المُحتملة القادمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي ذات أبعادٍ واضحة المعالم كونها تستند لمعطياتٍ تنسجم في صياغاتها مع ما ترتأيه بعض القوى لدول المنطقة، وهي خطوة تمتلك هنا (بخلاف سابقتها) فائدة مُحقَقة لكِلا الطرفين إن تمّتْ، فصفقة تبادل للأسرى يبرمها مع حركة حماس تعيد للإسرائيليين جنودهم ستمسي حدثاُ لن يمر عن توجهات الناخب الإسرائيلي بشكلٍ عابر، و(حماس) التي تُشارك اليوم طرفاً رئيس في المحادثات التي تشهدها العاصمة المصرية تمهيداً لإجراء الانتخابات الفلسطينية، يظهر أنها لا تمتلك من الإرادة الجادة لتحقيق مُصالحة فعلية حيث الحال في قطاع غزة يشهد بالكثير الدال على هذه الخلاصة، وبالتالي فإن مشاركتها المُحققة بانتخابات المجلس التشريعي القادمة تستند لضرورة الاستمرار في دورٍ يعيق المسار الوطني الفلسطيني، والذي يلتقي والتوجه المفترض أن يسود المنطقة حسب ميزان واشنطن وتل أبيب، إذاً هل سنشهد صفقة التبادل خلال الشهرين ؟.


 
بقلم: ميساء أبو زيدان.