وكالة وطن 24 الاخبارية  أسيل الأخرس

"فإن كانوا لا يشبهون الأرض فليجعلوا منها تشبههم"، استراتيجية وضعها ما يعرف بـ"الصندوق القومي اليهودي" منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أي قبل عقد من احتلال فلسطين، تختلف أشكالها وأدواتها لكن هدفها واحد، سرقة الأرض الفلسطينية وتغيير هويتها وماهيتها، ووأد حلم الفلسطينيين بإقامة دولتهم على ترابهم الوطني.

قديما استخدم الاحتلال هذه الاستراتيجية التي تقوم على زراعة أشجار "صنوبر حلب"؛ التي هي في حقيقتها من شمال البحر المتوسّط، لتسهيل القيام بالتحرّكات العسكريّة، ولأغراض المراقبة والتجسّس، واخفاء بشاعة جرائم تهجير الفلسطينيين من قراهم ومدنهم.

مدير "الصندوق القوميّ اليهوديّ" في الفترة بين 1932 و1966 يوسي ?ايتز، هو من شجع على زراعة هذه الأشجار الوافدة غير المتجذرة في الارض الفلسطينية.

وكشف كتيّب رسميّ صدر عام 1955، بعنوان: "غابة وُلدت"، الأجندة الأمنيّة الّتي حملها مشروع التشجير هذا، يقول: "الغابات تساعد على تشكيل "حاجز وعر"، وتحمي –الدولة- "اسرائيل" من أيّ اقتحامات خارجيّة محتملة، وتساعد على "إخفاء مواقع التحصّن"، وتقلّل من "احتمالات التعرّض لقصف أرضيّ أو جوّيّ".

وتحت ذريعة "الأمن"، يزرع الاحتلال منذ أيّار/ مايو 2011 أشجارًا في محيط المدن الإسرائيليّة، الّتي تقع على مقربة من قطاع غزّة؛ لـ"حماية" المستوطنات والطرق فالمسميات واخرها المحميات اطلقتها اسرائيل وتتناسب مع اطماعها الاستعمارية على مر العقود.

اليوم يعود الاحتلال لاستخدام هذه الاستراتيجية من جديد، لكن هذه المرة للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وسرقتها، من خلال مصادقة وزير جيشها نفتالي بينيت، يوم الأربعاء المنصرم، على إقامة سبع محميات طبيعية جديدة للمستوطنين، وتوسيع 12 أخرى في الضفة الغربية. 

نحو 20% من أراضي الأغوار أعلنها الاحتلال كـ"محميّات طبيعيّة" و"حدائق وطنيّة"، وخصّص أراضي أخرى للمستوطنات التي أقيمت في الأغوار بعد الاحتلال بوقت قصير، بحسب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم".

سلطات الاحتلال تمنع الفلسطينيين من استخدام الأراضي التي تصنفها كـ"محميات طبيعية"، وتستولي عليها، رغم أن الكثير منها ملكية فلسطينية خاصة.

"الشواهد على هذه السياسة الجديدة القديمة ما زالت ماثلة، فهناك 532 قرية فلسطينية تعرضت للتهجير والمحو التام، وزعت اسرائيل على انقاضها أو أطرافها الاشجار الحرجية الوافدة، واشجار الفاكهة لتغيير سمة المكان ومعالمه الطبيعية"، يؤكد الباحث والمحاضر في موضوعي التاريخ والإعلام في الجامعة المفتوحة وجامعة بئر السبع مصطفى كبها.

ويقول: "ثلث القرى الفلسطينية تم محوها، والثلث الآخر تم تغطيته بالمحميات الطبيعية، وما تبقى منها يسكنها اليهود المهاجرون".

مدير وحدة مراقبة الاستيطان في معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" سهيل خليلية، يشير إلى أن الاحتلال يستخدم المحميات، كما يستخدم ما يطلق عليه أراضي دولة أو مناطق عسكرية مغلقة واجهة للسيطرة على مناطق اكثر من الارض الواقعة في منطقة "ج".

ويضيف: "مصادقة بينيت على إقامة 7 محميات وتوسيع 12 أخرى تقع بعضها على أراض خاصة لفلسطينيين في الاغوار، خطوة في اتجاه ضم الاغوار".

ويشير خليلية إلى أن الاعلان الاخير لبينيت يهدف لتحقيق اغراض استيطانية كما حدث في السابق في جبل أبو غنيم الذي تم تحويل جزء من ارضه الى غابة، وبعد ذلك تم إلغاء اعتمادها كمحمية، وأعيد تصنيفها إلى منطقة بناء، واقيمت عليها مستوطنة "هارحوما" شمال بيت لحم عام 1997، بعد اقتلاع 60 ألف شجرة حرجية.

"جبل أبو غنيم ليس الحالة الوحيدة، فأجزاء من اراضي رام الله قرب مستوطنة "دولف" تم تحويلها الى محمية، إضافة إلى مستوطنة "أفرات" في بيت لحم، واكثر من 20 مستوطنة أخرى بنيت اجزاء منها على اراضٍ صنفها الاحتلال كـ"محميات طبيعية".

ويوضح خليلية أن الاحتلال حول 700 كم2 ك محميات طبيعية في الضفة الغربية، غالبيتها تقع في مناطق "ج"، من أصل 3456 كم2 من مجموع اراضي المنطقة "ج"، والتي تشكل 61% من اراضي الضفة الغربية، ومنه باتت اسرائيل تسيطر على 70% من اراضي هذه المناطق.

ولفت خليلية إلى أن اسرائيل فرضت سيطرتها على الارض والماء والطرق بشكل تدريجي واستطاعت كقوة احتلال ان تدفع المواطنين الى التمركز في المدن الكبيرة لتتيح فرصة السيطرة على المنطقة "ج"، مشيرا الى ضرورة العمل على خلق منهجية واضحة لمواجهة الاحتلال وسرقته للأرض الفلسطينية.

تمنع سلطات الاحتلال، الفلسطينيين في الضفة المحتلة من استغلال أراضيهم الواقعة في مناطق تلك المحميات، بذريعة الحفاظ على التنوع البيئي فيها، لكن هدفها غير المعلن السيطرة على هذه الاراضي لتحويلها فيما بعد إلى مستوطنات، كما حدث في منتصف ثمانينيات القرن الماضي عندما أعلن الاحتلال عن تحويل 14 ألف دونم من أراضي وادي قانا إلى محمية طبيعية، وبعد سنوات، خاصة في الفترة ما بين عامي 2010 و2016 اقتلعت جرافات الاحتلال 2500 شجرة زيتون زرعها أصحاب الأرض، اقيمت عدة مستوطنات ومعسكرات للجيش، بحسب المكتب الوطني للدفاع عن الاراضي ومقاومة الاستيطان التابع لمنظمة التحرير.

ما يسمى "قائد المنطقة الوسطى" أصدر في حزيران 2019 إخطارًا عسكريًا بعنوان: "أمر بشأن إلغاء الإعلان عن غابة محمية "الفي منشيه"، الذي حول بموجبه صفة الاستخدام لأراضي المحمية الطبيعية المجاورة للمستوطنة من الجهة الغربية وتعود لأراضي قرية النبي إلياس في محافظة قلقيلية بالضفة الغربية، تمهيدًا لضم أراضيها إلى نفوذ المستوطنة الجاثمة على أراضي القرية والقرى المجاورة.

وزارة الخارجية والمغتربين، اعتبرت أن اعلان بينيت حول المحميات الطبيعية تُسرع مثوله أمام الجنائية الدولية كمجرم حرب، وطالبت مجلس الأمن الدولي تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه جرائم الاستيطان المتواصلة والمتصاعدة، وسرعة اتخاذ الإجراءات العملية الكفيلة بتنفيذ وضمان تنفيذ القرار الأممي 2334 وقبل فوات الأوان.

وأكدت الخارجية أنها ستتابع الإعلان الخطير مع الدول كافة ومع الأمين العام للأمم المتحدة والمنظمات الأممية المختصة لحشد أوسع رفض دولي لمشاريع بينيت الاستيطانية، وأنها ستتحرك باتجاه الجنائية الدولية لإفادتها بالمخاطر القانونية المترتبة على إعلان بينيت كجزء لا يتجزأ من ملف الاستيطان الذي سيحاكم عليه بينيت وأمثاله.

اعلان بينيت، الذي يعد الاول من نوعه منذ 25 عاما، شمل: مغارة سوريك، وتعرف أيضا باسم كهف الحليمات العليا أو مغارة الشموع، القريبة من قرية بيت سوريك في القدس، ووادي المقلك عند المنحدرات الشرقية لجبل الزيتون في القدس، ووادي ملحة عند مجرى نهر الأردن الجنوبي، ووادي الفارعة بوابة الاغوار الشمالية، ومناطق في شمالي الأغوار وفي جنوب الضفة.

كما شمل توسيع محميات قائمة، وهي: قمم الجبال الواقعة غربي البحر الميت، فصائل في غور الأردن، وأم زوكا في الأغوار، عين الفشخة المشاطئة للبحر الميت، قرية خروبة الفلسطينية المهجرة، شرقي الرملة وداخل الضفة، وادي سيلفادورا، شمالي البحر الميت، جبل غادير، شرقي طوباس في الأغوار؛ عيون كانا، شمالي البحر الميت؛ وادي المالحة، وسط الأغوار؛ وقمران، في منطقة أريحا.

محميات طبيعية، وقواعد ومناطق تدريب عسكري، وأراض تابعة للدولة، وحدائق وطنية، كلها مسميات يطلقها الاحتلال على خطط ومشاريع، تهدف أولا وأخيرا إلى الاستيلاء على الأرض الفلسطينية ونهبها، ووقف التمدد الفلسطيني فيها، لصالح الاستيطان.