وكالة وطن 24 الاخبارية

من المعروف أن كائنا بحريا مثل الحبار، يتميز بالذكاء والمكر، لكن لم يتمكن العلماء من قبل من معرفة السر في ذلك. 

والآن صرنا أقرب إلى فهم قدرة الحبار المذهلة على التمويه بفضل الأبحاث التي أجراها الدكتور وين سونج تشونج والبروفيسور جوستين مارشال من معهد كوينزلاند للدماغ في جامعة كوينزلاند الأسترالية، وبعد استكمال أول أطلس للصلات العصبية يعتمد على تصوير دماغ الحبار بالرنين المغناطيسي.

وفي بحثهم المنشور في دورية "آي ساينس" يوم 24 يناير/كانون الثاني الماضي، استخدم الباحثون لأول مرة تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي عالي الدقة ومجموعة من تقنيات الصباغة، للكشف عن مسارات عصبية رئيسية غير معروفة سابقا في الحبار، وقد أظهرت أنظمته العصبية المعقدة قدراتها المتميزة.

وقال وين سونج تشونج من معهد كوينزلاند للدماغ في أستراليا في بيان صحفي للمعهد، "إن رأسيات الأرجل الحديثة، وهي مجموعة تضم الأخطبوط والحبار والسبيط، لها أدمغة معقدة وتقترب من الكلاب وتتجاوز الفئران والجرذان، على الأقل بعدد الخلايا العصبية".

وأضاف "على سبيل المثال، بعض رأسيات الأرجل لديها أكثر من خمسمئة مليون خلية عصبية، مقارنة بمئتي مليون للفأر وعشرين ألفا للرخويات العادية".
الكونكتوم

للحصول على أول خريطة عالية الدقة لمخ حبار الشعاب كبير الزعنفة -تعرف باسم "الكونكتوم" وهي خريطة شاملة للوصلات العصبية في المخ، ويمكن النظر لها باعتبارها "مخطط تشبيك" أو خريطة لجميع الوصلات العصبية في الجهاز العصبي- استخدم الفريق البحثي للحصول على تلك الخرائط نوعين من التصوير بالرنين المغناطيسي، هما صور الرنين المغناطيسي المعززة بالتباين، وصور الرنين المغناطيسي عالية الدقة ذات الزوايا.

كانت عينات الحبار المحفوظة مصبوغة بصبغة فضية أو متتبعات عصبية فلورية متعددة الألوان، مما سمح للباحثين برسم المسارات العصبية بدقة. كما سمحت لهم هذه التقنيات الحديثة بتأكيد أكثر من 99% من 282 مسارا رئيسيا تم تحديدها بالفعل.

وحددوا أيضا 145 مسارا عصبيا جديدا لم تكن معروفة من قبل، أكثر من 60% من هذه المسارات مرتبطة بالرؤية وأنظمة الحركة، مما قد يساعدنا في فهم مهارات التمويه العجيبة للحبار.

وقال تشونج "يمكننا أن نرى أن الكثير من الدوائر العصبية مخصصة للتمويه والتواصل المرئي". (..) هذا يعطي الحبار قدرة فريدة على تجنب الحيوانات المفترسة، والصيد والتواصل، مع تغيرات ديناميكية للون".

فك اللغز

تشكل كيفية رؤية رأسيات الأرجل للألوان لغزا محيرا، لأنها من الناحية الفنية هي مصابة بعمى الألوان، كما أظهر تشونج وزميله جوستين مارشال، في دراسات سابقة.

لكن على ما يبدو فإن رأسيات الأرجل قادرة على إدراك اللون بطريقة ما. فمجرد إلقاء نظرة على كيفية تغيير الأخطبوط للونه ليتناسب تماما مع محيطه الخارجي، أو كيفية تواصل الحبابير (جمع حَبّار) مع بعضها بعضا عن طريق وميض الألوان، فإن ذلك يؤكد قدرتها على الإحساس بالألوان.

ويبدو أن هذا البحث قد وجد بعض المسارات المرتبطة بهذه المعالجة البصرية والسلوكيات التي يتيحها، بالإضافة إلى البنية المحتملة في الدماغ المسؤولة عن تنسيق الرؤية والتمويه.

مشروع طويل الأجل

يشكل هذا البحث جزءا من مشروع طويل الأجل لفهم كيفية عمل أدمغة رأسيات الأرجل وذكائها، نظرا لأنها مختلفة تماما عن أدمغتنا وأدمغة الفقاريات الأخرى.
وقال تشونج في البيان الصحفي للمعهد، "التشابه مع الجهاز العصبي الفقاري المدروس بشكل أفضل، يسمح لنا بتنبؤات جديدة حول الجهاز العصبي لرأسيات الأرجل على المستوى السلوكي".

وأضاف "على سبيل المثال، تقترح هذه الدراسة عدة شبكات جديدة من الخلايا العصبية المسؤولة عن السلوكيات الموجهة بصريا مثل الحركة والتمويه العكسي، وذلك عندما يعرض الحبار ألوانا مختلفة في الجزء العلوي والسفلي من جسده لمزجها في الخلفية".

وكتب الباحثون في ورقتهم العلمية المنشورة، "إن المهام المعرفية التي تبدو معقدة لأداء رأسيات الأرجل تحتاج إلى هذا النوع من الأدلة الأساسية الصلبة قبل أن تؤدي التكهنات المجسمة إلى مفاهيم خاطئة حول هذه المخلوقات الفريدة والرائعة".