وكالة وطن 24 الاخبارية عنان شحادة

سيظل يوم الخامس من آذار، يوما خاصا ومشؤوما لمدينة بيت لحم التي سجلت أولى حالات الإصابة بوباء كوفيد 19 "كورونا" الذي اجتاح قبلها مئات المدن في أكثر من 93 دولة في العالم.. لن تكون فلسطين آخرها.     

ولأن بيت لحم ليست كغيرها من المدن، وهي مدينة السيد المسيح واحدى اقدس بقاع العالم.. ومدينة الميلاد والآلام، ومدينة الحب والسلام، فهي تقاتل بجدارة، عدوها القادم من اقصى أصقاع الأرض على بعد اكثر من 7300 كيلو متر، من مدينة ووهان الصينية.

"جدارة المعركة ليست أقل من نبالة الهدف" قال ناشط تلحمي يرابط على تخوم المدينة متسلحا بكمامات وإرشادات طبية يقوم بتوزيعها على المواطنين.

ولأن سجل التاريخ حافل بالغزاة على المدينة التي تعرّضت هي وبقية فلسطين للغزو الأشوري والبابلي والفارسي والإغريقي والروماني والبيزنطي، وما تلى ذلك من احتلالات آخرها الاحتلال الاسرائيلي، فانها تقاتل غُزاتها بعزيمة لا تلين، وتُسطِر مثالا تلوى الآخر في التعاضد والتكافل في مواجهة المخاطر التي تتهددها.

على هذا النحو، وما أن أعلنت وزارة الصحة عن إصابات بفيروس "كورونا" في بيت لحم يوم الخميس الماضي، حتى بدأت المبادرات الخيرية، وحيث نذر ناشطو المدينة ومتطوعوها أنفسهم للدفاع عنها ومواجهة الخطر الذي يهدد حياة مواطنيها.

وسط بلدة الدوحة غرب بيت لحم وقريبا من المنطقة الصناعية، علق صاحب "مخبز الدوحة " يافطة اعلن من خلالها عن تخفيض سعر ربطة الخبر من 4 الى 3 شواقل كمبادرة منه تماشيا مع وضع المحافظة بشكل عام بعد اعلان حالة الطوارئ.

يقول صاحب المخبز مروان الحداد: "ما دام البلد في ازمة وتمر بمرحلة صعبة واجبنا ان نكون في الموعد من خلال تقديم ما يمكن ان نقدمه، قمت دون أي طلب من أحد بالإعلان عن تخفيض أسعار كل ما يوجد في المخبز.. مثلا ربطة الخبر خُفضت لشيقل واحد، وكيلو القرشلة من 10 الى 7 شواقل، وكافة الحلويات بمقدار ثلاثة شواقل، وأيضا بدون مقابل لمن لا يملك المال".

وأضاف "هذا واجبنا الوطني اتجاه أبناء شعبنا، وهي ليست المرة الأولى التي يقدم فيها اهالي بلدات وقرى ومخيمات المحافظة مبادرات فردية وجماعية تعبر عن التكافل والتعاضد، فكانت لنا تجارب اثناء اجتياح الاحتلال بيت لحم عام 2002، وقتها كنت اخاطر بنفسي بالسير من وسط المدينة وصولا الى الدوحة بمسافة تصل الى 5 كم من اجل تقديم الخدمة للمواطنين المحتاجين والمحاصرين".

الى ذلك، شكلت صفحات التواصل الاجتماعي حلقة ربط من خلال التغريدات التي تنشر عليها ولاقت تجاوبا من قبل المواطنين وأصحاب الخير.

يقول الناشط الشبابي معتز مزهر، إنه استخدم صفحة التواصل الاجتماعي الخاصة به للدعوة من خلالها لتقديم المساعدات، وبالفعل لاقت رواجا حيث تدافع الكثيرون من اجل تقديم العون والمساعدة للأشخاص الذين هم داخل فندق انجل تحت الحجر الصحي.

وقبالة جدار الفصل العنصري على المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم، انشغل حوالي عشرة عمال في مطعم "فياندو" من اجل تجهيز وجبات غذائية للأشخاص ممن هم قيد الحجر.

يقول محمد أبو سالم، أحد أصحاب المطعم: إنهم بادروا الى تقديم وجبات غذائية لمن هم داخل الفندق، انطلاقا من الحس الوطني وتماشيا مع ما تمر به المحافظة وهي مسؤولية ملقاة على كاهل كل شخص مقتدر. وأشار الى أنهم قدموا 50 وجبة، وهم على استعداد لتقديم المزيد إن تطلب الأمر، وأن هناك مبادرات من آخرين للتبرع.

شرق بيت لحم وتحديدا في بلدة تقوع، تشكلت أيضا مجموعات شبابية من اجل التواصل مع المواطنين لتوفير الاحتياجات الطبية والغذائية.

يقول الناشط الشبابي سامر أبو مفرح: "نحن في البلدة قمنا بتشكيل مجموعات شبابية دون توجيهات من أحد وانطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية والاجتماعية، وقمنا بالاتصال مع أصحاب الشأن من صيدليات ومراكز طبية في البلدة، فمثلا بدلا ان يذهب المريض الى بيت لحم لتلقي العلاج، سعينا لتوفيره له داخل البلدة.

وأضاف أن الصيدليات الأربع المتواجدة في البلدة تعاونت معهم كثيرا من خلال التبرعات بالكمامات والمعقمات دون مقابل.

ولم تقتصر مظاهر التكافل على أهالي بيت لحم، بل تعدت الى محافظات الوطن التي هبت لتقديم كل اشكال العون والمساعدة للمحافظة "المنكوبة" بـ"الكورونا".

شاحنة كبيرة محملة بالكمامات والمعقمات والمياه الصحية وصلت من غرفة تجارة وصناعة محافظة الخليل الى نظيرتها بيت لحم.

يقول رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة الخليل عبده ادريس لـ"وفا": إن شاحنة الاحتياجات التي جلبها من الخليل الى بيت لحم، هي ليست أكثر من رسالة إنسانية تمثل عمق العلاقة بين أبناء الشعب الواحد، وأن شعبنا الفلسطيني هو دائما صاحب واجب على مر التاريخ، ونحن على استعداد لتقديم المزيد والمزيد لكل ما تحتاجه بيت لحم.

القوى والفعاليات الوطنية لم تكن غائبة عن المشهد، يقول أمين سر حركة فتح إقليم بيت لحم محمد المصري، إنهم أصدروا تعليمات الى قطاعات وكوادر الحركة لرفع حالة التضامن الوطني والاجتماعي. وأضاف "نقوم بتوفير الاحتياجات من طعام ومعقمات، ونحن نعمل وفق إمكانيات بسيطة، لكن لا يوجد هناك نقص في المواد الغذائية، والنقص يتمثل في الكمامات الوقائية، مشيرا الى وصول كمامات من اريحا وطوباس، وأن هناك اتصالات مع محافظات أخرى أبدت استعدادها لتقديم يد العون عند الحاجة.

ــــــــــــــ