وكالة وطن 24 الاخبارية

تمر علينا الذكرى الثانية والسبعون للنكبة التي أصبح إحياؤها يختلف من جيل لآخر ومن جغرافيا لأخرى فإما أن يستحضر الفلسطيني مآسيه وهواجسه اليومية كونه لجأ قسراً لهذا البلد أوذاك مُورّثاً اللجوء بقسوته وانعكاساته لأبنائه وأحفاده، أو أنه يُردد رفضه من على أرضه لِيُسمِع مَن اعتقد أنَ الكبار ماتوا والصغار أُخذوا بأتون تفاصيل عيشهم وبقائهم دون الالتفات لحقهم ووجودهم. في هذا اليوم تتعمق وبصمت الآلام في الأرواح التي شهدت تلك المأساة ويكبر الاستفهام لدى الجيل الذي لا زال يرفع العلم الفلسطيني وصورة المفتاح بيد اللاجئ وسط المسيرات التي يصدح منها الصوت عالياً (إنّنا لَعائدون).

في هذا اليوم تجتمع الحناجر اللاعنة تلك التي امتهنت الاستزادة فور كل أزمةٍ وعقبة لتهمس بأصواتها المشروخة في أذن المصلوبين أوجاعاً محاولين التأكيد على قدراتهم الاستشرافية وبأن (البلاد ضاعت وبهيك حال مين بيرجعها)، لتلعو مقابلها أصواتٍ انتصرت لإنسانيتها وصدحت من حناجر إسرائيلية شهدت ما تم من جرائم ارتكتب بحق الشعب الفلسطيني ولا تزال والتي وصفتها بالـ (تطهير العرقي) كما جاء على لسان الكاتب الإسرائيلي إيلان بابيه، أو وُثِقت بصرياً لتشير إلى تلك المخططات التي أحيكت ضد الشعب الفلسطيني إبان نكبته كما فعلت رونة سيلع في كتابها (لمعاينة الجمهور). وفي هذا اليوم يتمكن السؤال الضاري من الجسد الفلسطيني حيث ينهشه غضباً ولفظاً وقيداً بل وقلقاً في صراعٍ لا تشفيه إلا الإرادة التي جُبِلت بدرب الآلام.

ولكأن الفلسطيني وبهذا اليوم يندفع باحثأ عما يخلصه تلك النوازع التي تعتريه يأساً بظل ما يجابه يومياً كي يجد ما يؤكد لإنسانه بأنه (لا يضيع حق وراءه مطالب)، ليكتشف عبر شواهد عديدة تلك القدرة العجيبة التي دفعت بالزعيم الفلسطيني ياسرعرفات لتكرارها دائماً (هادَ شعب الجبارين). نعم إنه حقاً لشعب الجبارين الذي يتعملق بالأزمات؛ وهذا ما يجسده ذاك النموذج المكون من أولئلك اللاجئين الذين لم تطأ أقدامهم أرض فلسطين ولكن وأمام الأزمات التي تعصف بلبنان الشقيق وبالتحديد بظل جائحة كورونا وجدوا أنفسهم أمام مسؤولية كبيرة تقتضي حفظ كرامة أبناء شعبهم في المخيمات.      

في مخيم نهر البارد تأسس (الصندوق الخيري لمساعدة مرضى السرطان) حيث اتفق ذوي الإرادة الصلبة الذين سبق وأن بادروا بجهودٍ فردية للمساهمة في التخفيف من واقع الظروف المعيشية والتي تفاقمت كمأساة فور الأحداث التي شهدها المخيم عام (2007). جاء هذا الصندوق ليوَحِد تلك الجهود المبعثرة عبر إطارٍ يستثمر كل عملٍ تطوعي ومبادرة من شأنها أن تلبي أساسيات البقاء لِمَن تبقى في المخيم الذي لا زال نصف ساكنيه بل أكثر مشردين خارجه، مستندين إلى ما يساهم به أبناء شعبنا سواءأ في لبنان أو أولئك الذي لجؤوا قسراً مرةً أخرى لدولٍ عديدة، فتتجسد إرادتهم عبر مؤسسةٍ تُدار بالنظم التي تكفل استدامتها وبكل ما أمكنهم ذلك. بشار أحد أبناء المخيم يتحدث عن هذا النموذج فيقول: 

" فور أحداث المخيم عام (2007) تطوعنا كمجموعة من الشباب لمعاجلة قضايا اجتماعية وبما أمكننا وفي عام (2013) وجدنا أنه لا بد لنا من توحيد الجهود المبعثرة وأسسنا الصندوق الذي هدفنا من خلاله التخفيف عن مرضى السرطان في المخيم حيث أن متطلبات العلاج تفوق قدراتهم تحديداً بعد أن تخلت الأونروا التي باتت لا تنجز من اسمها شيء عن دورها ومهامها وما ساعدنا حينها هو الدور الذي قامت به لجنة الضمان التابعة للسفارة الفلسطينية، وتمكنا عبر الصندوق الذي أُشرف على لجانه خيرة أبناء شعبنا من تلبية الاحتياجات العلاجية لمعظم مرضانا وعبر آلية تضمن الوصول للجميع. أما مؤخراً وبظل أزمة الكورونا زاد حجم الأعباء إذ أن الإجراءات الرسمية من قبل الدولة اللبنانية طالبتنا البقاء في منازلنا زادت من معاناتنا، نحن لا نعترض على الإجراءات ولكن مَن سيوفر قوت أسرنا! وعليه بدأنا وعبرمشروع (رغيف الخبز) بتوزيع المساعدات الغذائية التي لم تلبي إلا احتياجات ألف أسرة من ما مجموعه (6500) أسرة في المخيم. نعم لقد تسلمنا مكرمة من الرئيس (أبو مازن) غطت ألف أسرة أخرى، وبعض الفصائل قدمت اليسير الذي لا يساهم أبداً في توفير الاحتياجات الأساسية لأهلنا في المخيم." تقاطع سيدة حديث بشار فيستإذن ليستمع لها؛ إم يوسف التي تركت أسرتها فور أذان المغرب والتي لم تحصل على ما يكسروا به صيامهم خلال ثلاثة أيام تسعى عبر أزقة المخيم باحثة عمن يغيثها ويوفر ثمن العلاج لابنها الذي بات مهدداً بفقدان بصره وبالتالي فقدانه لحياته الطبيعية وعدم تمكنه من استكمال دراسته. يستأنف بشار ويتابع: " هذا الموقف نتعامل معه عشرات المرات يومياً، وأيضاً (إم علي) ترافق (إم يوسف) حيث ابنتها ذات الأربع أعوما تصارع المرض ولعدم تمكنها من علاجها هاهي تواجه خطر الموت، مَن المستفيد من أن نتحول لشحادين ؟ نحن ورغم صعوبة أوضاعنا فرداً فرداً نجد أنه لا مفر من وقوفنا بجانب شعبنا في المخيم كي يصمد ويستمر فأمامنا قضية عظيمة تستحق أن نعلو على جراحنا، نحن هنا في لبنان ضيوف نسعى لنصمد كي نعود إلى فلسطين وتطأ أقدامنا أرضها ونتنفس هواءها".

أما الدكتور تيسير ابن مخيم برج الشمالي الذي يعيش الآن في ألمانيا يستذكر رحلة لجوئه الثاني بعد لجوء والده القسري من فلسطين، ويجد نفسه أمام تكرارٍ لذات المشاعر التي خبرها في عديدٍ من المواقف، كيف ولدته أمه في مخيم البص وبفعل القصف الإسرائيلي تركها الأطباء حيث توجهوا لأماكن القصف وحدها تنازع الموت لتفارق الحياة وهي تحلم بأن يكون وليدها ذكراً بعد البنات السبع، وكيف أُوُقِف على حاجز حركة أمل عام (1986) فور حرب المخيمات وهو عائد من مدرسته وبعد أن تم ضربه بقسوة وصلبه على الحائط لرميه بالرصاص يتدخل القدر ليأتي أحدهم ويصفعه بالكف ويطالبه بالعودة لبيته، يستذكر والده الذي اعتقدوه ميتاً فور النكبة وتركوه ليستكملوا مسيرهم باتجاه شمال فلسطين ليكشتفوا لاحقاً أنه وجِدَ جريحاً في المشفى الفرنسي بالناصرة والتحق بهم بعد حين في مخيم برج الشمالي، وكيف شارك شبلاً في معارك مغدوشة وتنقلت به الذاكرة من صورةٍ لأخرى ومن موقف لآخر لتصل به إلى السيدة البلغارية (ماركوفا) التي ساندته كثيراً ووقفت وراء انتزاعها لمنحةٍ تعليمية من الصليب الأحمر البلغاري ليستكمل دراسته ويغدو طبيباً. يشير الدكتور تيسير إلى النموذج الذي يشارك في تجسيده أبناء اللجوء الثاني في الغربة ويقول : 

"ما نشهده هو استنفار لجيش فلسطيني حقيقي مكون من عشرات الأطباء والمهندسين والتجّار والمشرفين وغيرهم في ظل الأزمة التي يعانيها شعبنا حيثما كان، رغم التزاماتنا الحياتية والوظيفية وانعكاسات هذه الجائحة إلا أنه همنا الأول كيف نحفظ كرامة شعبنا ونعزز من صموده ما أمكننا، أفراد هذا الجيش يتسابقوا للمساهمة وعندما تصل المسألة للجيب يتزاحم الجميع مع تأكيدهم (اياكم يتم ذكر الإسم) لنتواصل بعدها مع أخوتنا في المخيمات بلبنان وغزة وأية منطقة نصل لها كي يوزعوها ضمن الآليات التي تكفل التخفيف عن شعبنا قدر الإمكان. 

مأساتنا هنا كبيرة فنحن (مُغرَّبون) ولسنا مغتربين نحرص على حماية الرابطة بين أبنائنا وبين وطنهم وشعبهم فمثلاً نعمم ضرورة أن يحضر أبناؤنا مسلسل (التغريبة الفلسطينية). وفعلاً بظل الأزمة الأخيرة أدركنا أننا شعب جبارين حيث وُضِعنا على المحك وتواصلنا من كل بقعة كي نقدم ما أمكننا لشعبنا في فلسطين وفي مخيمات اللجوء إلى جانب ذلك لم نتخلَ عن واجبنا تجاه أشقائنا العرب الذين ضاقت بهم السبل هنا في الغربة، والأبرز هنا هو دور نسائنا اللاتي بتن يستطلعن طبيعة المعونة التي بإمكانها تلبية الاحتياجات الأساسية للمستفيدين من شعبنا، بل قمن بالتعميم بأن تُجمع (الفُطرة) بالإشارة لزكاة الفطر لصالح شعبنا (القريب أولى). مسؤولياتنا ضخمة حيث نحرص على حماية رباطنا بشعبنا وأرضنا وحماية هويتنا الوطنية إلى جانب تمثيلنا لشعبنا عبر أخلاقنا و أمانتنا وإنسانيتنا تجاه الآخرين في غربتنا، هنا أذكر أنه وبحكم الظروف يوجد وافدين لألمانيا من دول أوربية أخرى فور استقرارهم وتوفر المسكن والعمل ومصدر الرزق لهم ينسوا أوطانهم ويصبحوا مواطني الدولة الجديدة وحينما يسائلوننا مندهشين "لم تروا في حياتكم فلسطين فكيف تحنوا لها؟" لنجيبهم "كلما تمكّنا هنا كلما زاد تعلقنا بفلسطين" يضيف الدكتور تيسير: " لو تمكنت الآن من العودة لفلسطين سأترك كل ما أملك لأرجع لها حافياً وأعيش بها ولو بظل خيمة على أرضها".

أمام هذه الإرادة التي تصنع في كل زاوية تضم الفلسطيني وطناً مؤقت، عن أيّ خطط ضمٍ يتحدثون ! ولمتى سيَجهد قادة الإحتلال الإسرائيلي لتسخير عنصريتهم وتطرف يمينهم ولا مبالاة حلفائهم هدرا! ألم يدركوا بعد بأن الفلسطيني حوّل نكبته لملاحم من الصمود والثبات معمقاً انتماءه لفلسطين ومتمسكاً بوثاقه بأرضه وشعبه حافظاً لهويته الوطنية! نعم من الممكن أن نؤخذ لمسائل هامشية في كل بقعة جغرافية يتواجد بها الفلسطيني ولكن قضيته الوطنية هي دوماً أم القضايا وأساسها. لقد تواصل الدكتور تيسير في ألمانيا فور المحادثة مع بشار في مخيم نهر البارد ليتأكدا أنه بات بمقدور (أم يوسف) الآن أن تنام قريرة العين.