وكالة وطن 24 الاخبارية

قبل أيامً قليلة انقضى قرنٌ وأكثر على توقيع اتفاقية (سايكس بيكو) بين دول (الوفاق الثلاثي) لِتُقسَّم بلاد الشام وما بين النهرين التي كانت ترزح تحت سيطرة الدولة العثمانية بحيث تصبح تحت سيطرة كلأ من بريطانيا وفرنسا، والتي لا زالت تلقي بظلالها على هذا الجزء من المنطقة العربية، ليأتي بعدها قرار التقسيم (181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة معمقاً للأزمات والنزاعات في ذات الجزء وليومِنا هذا. 

الحال ذاته عانته باقي دول المنطقة؛إذ أنه ومنذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وتسليم الدولة العثمانية عبر معاهدتي (سيفر ولوزان) بنفوذها في عديدٍ من المناطق مقابل الاعتراف الدولي بجمهورية تركيا، بدأ فصلاً جديداً من الصراعات في تاريخ المنطقة.

كثيراً ما تختلف مناحي تلك الصراعات وأوجهها وأدوار الأطراف القائمة عليها إلا أن الدائم فيها هو معاناة شعوب المنطقة واستنزاف مواردها لصالح القِوى المُستَهدِفَة لها التي تمكنت من استغلال التمايز الإثني والقومي لتمرير سياساتها وبسط نفوذها. 

لكن الأبرز وسط هذا المعترك هو أن محاولات استلاب إرادة الشعوب العربية لم يتحقق بل إن مواقف عديدة دللت على تطورٍ نوعيّ في وعي وتوجهات العربي بحيث مكنته من تحديد المسارات التي كفلت له التخلص من دور الضحية والتطلع لمكانةٍ مختلفة في العالم الحديث والسعي الدائم لأن تغدو وازِنة وسط الصراعات الدولية وبالتحديد بين القِوى الرئيسة في العالم. 

كثيرةٌ هي الشواهد التي دللت على ذلك التبدل النوعي الذي كفل للمنطقة بأن تغدو الوطن العربي بالنسبة لشعوبها والعالم العربي بالنسبة للعالم، فمن تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 الذي جاء حاجة ملحة عقب استقلال العديد من الدول العربية، مروراً بتجسيد نماذج وحدوية كالجمهورية العربية المتحدة ومحاولة إنشاء اتحاد الجمهوريات العربي في بداية السبعينيّات من القرن الماضي وصولاً لتأسيس مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب العديد من المحطات الهامة في تاريخ المنطقة العربية والتي تُجسد نضال شعوبها الدائم للتخلص من هيمنة الغرب والتصدي لأحلام البعض من الإقليم.

ما يستدعي استحضار تلك المراحل في وقتنا الراهن هو ما تشهده منطقتنا العربية في العقد الأخير من نزاعات وصراعات أشعلتها ذات القِوى مستندةً لوقائع فرضتها على شعوبنا ومستثمرة لدور الفزّاعة الذي يؤديه البعض في الإقليم المتطلع لأمجاده الغابرة، ومن خلال صيغ وأدوات مختلفة وتحت شعاراتٍ برّاقة التعابير كـ (الربيع العربي) خبيثة المضامين. 

وبالرغم من قسوة المشهد الذي نعانيه في كثيرٍ من بلداننا بدءًا من محاولات تصفية القضية الفلسطينية مروراً بمحاولات تجزئة مصر وسوريا والعراق وصولاً لاستنزاف مواردنا العربية ولمحاولات البعض الهيمنة على المغرب العربي، إلا أن دولنا العربية تجسد مجدداً تلك الإرادة بحيث استطاعت رغم مجموع التحديات أن تدير الأزمة التي تشهدها دول العالم كافة بِفِعل جائحة الكورونا بمقدرة لافتة افتقدتها الكثير من قوى ودول العالم المُصنفة بالمتقدمة.

أمام هذه الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها؛ لنا أن نتطلع كشعوبٍ عربية لترسيخ هذه الإرادة عبر التصدي لمحاولات العديد من الأطراف وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تختلف سياساتها المًتربِصة بمنطقتنا باختلاف إداراتها وعناوين مشاريعها، بحيث نتجاوز رهاناتهم بتنفيذ (سايكس بيكو) ثانٍ كان قد حذر منه الرئيس الفلسطيني (ياسر عرفات) عام 2002 في قمة بيروت العربية، لِنفوّت عليهم تأصيل الطائفية وشرذمتنا بأقلياتٍ مُتنازِعة تُمهد لهم تطبيق (خطط ضمٍ) مختلفة بمسمياتها متحدة في أهدافها ضد إنساننا وبلداننا.


بقلم : ميساء أبو زيدان.