وكالة وطن 24 الاخبارية

جَهِد العديد المُتفق المُشيْد أو المعارض الناقد لتقييم المهرجان الجماهيري فور إقامته بمدينة أريحا الإثنين الماضي في اختصارٍ للفعل والموقف وحصره بحدود جدوى إقامته من عدمها، هناك مَنْ ذهب لاعتباره رسالة الشعب الفلسطيني للعالم الرافضة للخطة الأميريكية- الإسرائيلية المستهدفة للأراضي المحتلة عام 1967، البعض اعتبره رسالة تحذير وتهديد للإحتلال الإسرائيلي. لكأن الشعب استفاق من غيبوبةٍ أصابت إرادته وقدرته على التصدي لسياسات هذا الإحتلال الاستعمارية حسبما جاء في معظم التقييمات التي انهالت بخصوص المهرجان، في استمرارٍ للخطاب الذي اعتمدَ لغة اجتزاء المشهد الأشمل وحصره في إطار الحدث أو الموقف الراهن.

فعالية أريحا الجماهيرية جاءت لتؤكد على مُحدد هام لطالما كان ومنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة هدفاً رئيساً للإحتلال الإسرائيلي ألا وهو امتلاك الإرادة الوطنية المكتملة المكونات حيث الهدف هو التحرر والفكرة بأن الفعل يُرتَهن لفلسطين أولاً والأسلوب المتمثل بالحرب الشعبية طويلة الأمد. اعتبار المهرجان بمثابة الرسالة التي بعثها شعبنا لكافة الأطراف هو سقطة هوى بها الكثير؛ سيما وأنهم منذ نكبتهم إلى يومنا هذا صاغوا ولا يزالون رسالتهم للعالم أجمع بأنه رغم مسلسل التطرف الصهيوني المُمارس ضدهم يومياً إلا أنهم سيتقدمون وبثبات في معركة حماية وجودهم والتمسك بثوابتهم الوطنية وحقوقهم المشروعة الغير قابلة للتصرف.    

تتجلى رسائل الشعب الفلسطيني لهذا الإحتلال وحلفائه في كل ملمحٍ جُسِّدَ حضوراً على الأرض وارتباطاً شُدّ وثاقه من كل بقعةٍ باتجاه فلسطين؛ فلا اللاجئ تخلى عن حقه في أرضه ووطنه ولا الشهيد هَدر روحَه عبثاً وإنكاراً في وعي مَن يخلفه، ولا الأسير امتهن اليأس خلف جدران زنزانةٍ صُلبت فيها إنسانية سجّانه. تلك العجوز التي ارتدت الثوب المزدان بألوانٍ من العزةِ والشموخ التي افترشت أمامها عيدان الميرمية والزعتر في أحد أزقة باب العامود في مدينتها العربية القدس أوصلت رسالتها بأن تاريخ وجذور شعبها أكبر من عمر بلدان صانعي كيانهم الغاصب، تسلق الطفل لجدار الفصل العنصري رسالة تحدٍ أخرى لجندي الاحتلال المدجج بالسلاح رعباً مضمونها أنه بسني عمره القليلة وعبثه البريء سينتصر ويصل إلى بيته . رسالة الفتى المُبحر عبر زورقه يشق عباب العوز والجزع من قناصة الاحتلال المُعتلي لقوراب الحقد متأملاً في رزق ربه المكتنز في بحر غزة؛ تصل يومياً لعنان السماء إيماناً راسخاً بالحق والعدل، وها هو الستيني يستند بظلٍ زيتونةٍ غرسها جده قبل قرنٍ مضى متأملاً اليوم القريب الذي سيغادر به ذاك المستوطن المعتدي الذي أسقط جدران عنصريته على أرضٍ لم تبعد بترابها أمتاراً عن تربة (السلسلة) التي حدّت أرضه.

رسالة الشعب الفلسطيني وصلت عندما باتت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد له، رسالته المدويّة ثورةً؛ تناهت صوتاً إلى مسامع العالم عندما انفجر النفق الذي عبره سُرِقت مياه نهر الأردن لتأمين مَن استوطن النقب استعماراً. تتوالى رسائله للعالم يومياً والتي تؤكد على تمسكه بحقه في أرضه وتقرير المصير لخصتها قيادته الوطنية عبر مراحل الصراع مواقفاً حاسمة طُرِحت بكافة المحافل والمناسبات، وأكدتها مؤخراً لاءات الرئيس (محمود عباس) المطلقة التي حالت بصبرٍ وثبات دون تمرير المخطط الأميريكي- الإسرائيلي الاستعماري التوسعي المتعدد الأوجه الهادف لتصفية القضية العادلة.

يحرص البعض على تعميم الخطاب المتخفي بظلال المفردة الأقرب لوجدان الفلسطيني المُثقل صبراً؛ بيد أن لغته تعكس القليل من حسن النوايا والكثير من سوء النوايا المُستترة، كونه يأتي تكراراً لذات اللغة التي دفعت الفلسطينييّن للسقوط بالفخ الذي نُصِبَ لهم بانتفاضة الأقصى. فيُثار التساؤل العريض ألا وهو: مَن يسعى لزج الرئيس (محمود عباس) والقيادة في أتون معركةٍ يطالبون خلالها بالقتال لآخر فلسطيني وبالتالي تدمير المُنجز على الأرض الفلسطينية ؟! التساؤل الذي يحيلنا للهدف المُبيت للقضاء على القيادة الوطنية مجتمعةً هذه المرة لإحلال ثلة من الجالسين في بيوتهم المُحضرين بديلاً عن الإرادة الوطنية والمتماهين مع المشروع الصهيوني أدواتاً، فيضعنا أمام ضرورة التصدي لذاك الخطاب المشروخ المستهدف لثباتنا والمُربِك لمُضيّنا على درب التحرر والبناء.

 
بقلم : ميساء أبو زيدان