وكالة وطن 24 الاخبارية

نشهد بين الفينة والأخرى مهرجانات الهجاء والقدح التي تُطلق وابلها من رصاص الادعاءات والشائعات في أداءٍ باهت لمُحدَثي الفُتات على مسارح وحدات وماكينات ذات الجهة التي ما فتئت تتغول في هجماتها ضد جمهور الفلسطينييّن الذي أُنهِك استهدافاً بشتى السياسات والوسائل. وتُقام هذه الاستعراضات تحت شعار التباكي على مصلحتهم - فلا حضور للشعب الفلسطيني في ذهنيتهم - والحرص على عيشهم ورفاههم وحمايتهم من ذاتهم التي جُسِدت إرادةً وطنية راسخة نقلتهم من جموع لاجئة تنشد القوت اليومي في مشهدٍ مُذِل لطوابير منكسرة إلى شعبٍ حيّ يناضل لإثبات حقه في الوجود على أرضه وتقرير المصير. المستهدف دوماً من هذه المحاولات هو الفلسطيني نفسه فلعلّه في مرةٍ ما يُسلّم ويهيئ نفسه باتجاه اللا هوية واللاوطن في تنازلٍ منه لذاك القادم الجديد صاحب الرواية المشروخة ونظرة التفوق تجاه الأعراق (المُتدنية).

لن نستعرض هنا أولئك الهواة ذوي الأداء الرديء الذين اعتلوا في كل مرةٍ مسرح المحاولة، ولن نشير لمجمل العناوين التي غلّفت استعراضاتهم و تباينت بين الدين والعلم وخوض النضال والنقاء الثوري! في بعض الأحيان ذهبوا إلى أبعد من تلك الستائر فالمخرج يحظى بالكثير من أدوات التأثير التي وحسب اعتقاده ستصيب إرادة الفلسطيني في مقتل، في اجترارٍ مستعر من ذات الجهة للمسعى الوحيد ألا وهو شطب مفردة (الوطنية) من مفرداته ليغدو مستضعف يأتمر لسارق الأرض العابث بمصيره. بالأمس أيضاً؛ عبر عقود التاريخ المُعاصر استُهدفت الإرادة الوطنية التي ثأرت لكرامة الشعب الفلسطيني وفرضت على العالم أجمع الإقرار به شعباً عريقاً متجذراً في أرضه وبحقوقه كسائر الشعوب، اختلفت وسائل استهدافهم حينها حيث خاض فيها الفلسطيني أشرس المعارك ودفع الأثمان الباهظة على مذبح الكرامة. 

تحمس عايزر وايزمان عام 1979 لفكرة الشريك المستعد للقبول بالحكم الذاتي المحدود بعيداً عن منظمة التحرير الفلسطينية التي تطالب الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وانخرط وايزمان الذي كان وزيراً للدفاع في حكومة مناحيم بيغن آن ذاك في تمكين هذا الشريك عبر السماح لرابطة "المجمع الإسلامي" الشروع في تأسيس الحركة التي دعمها لاحقاً أريئيل شارون. جاء الدعم الإسرائيلي لهذا التجمع بهدف خلق المشروع التدميري الذي بإمكانه القضاء على البعد الوطني لنضال الشعب الفلسطيني، الوظيفة التي أنجِزتْ عندما استُبيح الدم الفلسطيني بقرارٍ سياسي وتنظيمي من قبل قادة حركة المجمع الإسلامي ونُفِذَ الإنقلاب على القرار الوطني الفلسطيني المستقل.

الوجه الآخر يأتينا على هيئة الرجل العالِم المتقدم بوقارٍ نتن المُبتغى؛ واجلاً يتساءل حول الهدف من عدم إجراء الانتخابات الفلسطينية! ليسلم غداّ هذا الساهي الدور لِمُتسائل آخر يستفسر عن مصدر مليارات الدولارات التي وُضِعت في حسابات مسؤولين فلسطينيين في بنوكٍ عالمية. الأدهى سيباغتنا غداً القريب عبر اتهاماتٍ إسرائيلية ستُكال لـ (محمود عباس) وبأنه يقف وراء دعم الإرهاب عبر دفعه أموالٍ طائلة لمجموعات تحريضية وأخرى تنفذ عمليات ضد الجانب الإسرائيلي، لتكون تكراراً لذات التهمة التي صاغها الإسرائيليون ميدانياً في كثيرٍ من الحوادث بواسطة أدواتهم، في سعيٍّ جديد كي يعودوا بنا لنفس المربع الذي عايشناه في انتفاضة الأقصى.

المحاولة الأكثر بريقاً تكمن في تسريباتٍ أمريكية تتحدث عن إصدارٍ لكتبٍ تبحث في الشأن السياسي أحدها يعود لوزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس والتي تصور فيها الشعب الفلسطيني وقيادته قطيعاً من الغنم يأتمر بإمرة أصغر موظفٍ في البيت الأبيض! جملة المحاولات تلك كما غيرها تأتي تمهيداً للبديل الذي أُعِدّ إسرائيلياً بحيث يأتي محملاً على تفسيرٍ مُخادِع للتوجهات السياسية الإسرائيلية التي كان آخرها قرار (القضم) للأرض الفلسطينية، وبأن سياساتهم تلك ستُتيح المجال في المستقبل القريب لأن يعيش الفلسطينيّون (سكاناً لا شعباً) برغدٍ من العيش حيث ستتدفق عليهم المليارات وسيغبطهم أثرياء العالم لرفاه عيشهم.

بالأمس؛ كان (ياسر عرفات) هو العقبة في وجه السلام فأزاحوها لِيُزاح استقرار المنطقة معه. اليوم بات (محمود عباس) العقبة في وجه مخططهم، فهاهم يجهدون ليل نهار لإزاحته علّهم يضعوا حداً لما يصفونه بـ "المسألة الفلسطينية". نعم؛ هو العقبة في وجه الرضوخ والاستسلام لمحاولات تصفية القضية العادلة وسلب الشعب حقوقه الوطنية، فليستخدموا ما شاؤوا من مفردات الماضي القريب تلك التي انهالوا فيها ضد سلفه وليستعينوا بذات الأدوات التي جددت ولاءها لذات المُشَغِّل رغم تباين حضورها وشخوصها وأدوار العمالة المناطة بهم. 

سيواجه الشعب الفلسطيني اليوم كما عهده سابقاً خططهم الإستعمارية الإقتلاعية التوسعية بصموده وصبره وبتضامنٍ وطني كامل بين مكونات مشروعه الوطني وسيحطم مساعيهم على صخرة جوعه ومعاناته. واهمٌ مَنْ يعتقد بأنه وعبر مغرياتٍ فُتات قادرعلى قلب المعادلة وإيجاد فلسطيني واحد يرتضي بسياسات الإحتلال التوسعية ويسلم بقضم الأرض والقضاء على الحلم بتقرير المصير وبناء الدولة .

بقلم : ميساء أبو زيدان