وكالة وطن 24 الاخبارية

فور إعلان الرئيس الراحل أنور السادات عن نيته زيارة القدس عام 1977 شعر المصريون بالخذلان والأسف على دماء أبنائهم التي نزفت دفاعاً عن أرضهم وفي حروبهم مع الاحتلال الإسرائيلي، لجانب الموقف العربي الذي رفض بالإجماع تلك الزيارة.

 لكنّه وفور تعثر عملية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي بإشرافٍ كامل من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك تقدم بعيداً عن التوافق العربي بخصوص آليات إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي، موقفه لذي تبلورَ فور حرب أكتوبر عام 1973 والتي امتلك فيها المصريون كافة المقومات التي مكنتهم من موقع القوة حيث العامل الذاتي بانتقالتهم اللافته من حالة الدفاع فور نكسة حزيران للهجوم، وبالتلازم مع العامل الخارجي الذي تمثل بالدعم العربي السياسي والاقتصادي الذي تجلى بحظر النفط عن الولايات المتحدة الأمريكية لشهورٍ عديدة والذي كان السلاح الفاعل الذي استخدمه العرب بتنسيق بين الملك فيصل والسادات في وجه الولايات المتحدة وكافة الدول التي ساندت عدائية إسرائيل تجاه شعوب المنطقة. 

وخلافاً لما تم التوصل له فور اتفاقية كامب ديفيد التي أسست لحالة السلم القائم ظاهراً بين الطرفين المصري والإسرائيلي (بعيداً عن الطرف السوري الشريك في تلك الحرب) ومجمل الآليات والعوامل التي استثمرت من قبل المصريين لإنجازه، نجد أنفسنا أمام محطةٍ تاريخية شكلت منعطفاً حاداً في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي وفرض أبجدياتٍ سياسية جديدة على دول المنطقة والأهم أنه عصف بالقضية الفلسطينية لتغدو رهينة المناخات الحديثة.

 الثابت هنا أن الصراع بدأ منذ أن تم الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني في قلب المنطقة العربية وعلى حساب فلسطين الأرض والشعب وأن القرار المتصل بقيامها استُخدم بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في منطقتنا، المنهجية التي تنبه لها إسماعيل فهمي وزير الخارجية الذي قاد بشراسة المفاوضات عن الجانب المصري مع كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية حينه.

خلال تلك المرحلة قرأتْ جيداً قيادة الثورة الفلسطينية (قادة "فتح" تحديداً) واقع المنطقة العربية ومآله مستقبلاً لتستشرفت حجم التحديات التي ستعصف بدولها (حاضنتهم) وانعكاساتها المُتَوقّعة على قضيتهم العادلة، إلى جانب إدراكهم وفهمهم لعقيدة الحركة الصهيونية والمناخات التي أسست كيانها وطبيعة القوى الحليفة له.

 لتجد القيادة نفسها أمام ضرورة البحث في المنهجيات الممكنة لإدارة الصراع الذي باتوا فيه وحيدين بمستوى المواجهة المباشرة، وبمستوى القلق الذي أحاط بهم نتيجةً لما فرضته المتغيرات تلك؛ انتقلوا بِجرأةٍ لمرحلة التفكير الجاد بكل ما يدور حولهم من توجهات ولضرورة تصديهم مرةً أخرى لسياسات الإحتواء. 

بناءًا عليه باشر الشهيدين الرمز (ياسر عرفات) وأبو إياد (صلاح خلف) السعي بكل ما من شأنه أن يحفظ للشعب الفلسطيني استقلالية قراره الوطني وفرض قضيته ونضاله المشروع على الأجندة الدولية. بالتلازم مع مواصلة الكفاح المسلح الوسيلة التي كانت العامل الذاتي الذي امتلكوه حينها لا غيره. 

أما العامل الخارجي فقد تمثل بدعم الأحرار سواءًأ في المنطقة أو حول العالم لكنه لم يصل المستوى الذي امتلكته مصر بحرب أكتوبر ولو بقيد أُنملة.

 وبعيداً عن استعراض حيثيات انطلاقة الثورة الفلسطينية والدور الرائد لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" ندرك عبر تتبع مسار الحركة التاريخي والمنطلقات والمبادئ التي تبنتها أنها ابتعدت عن الأدلجة أوطرح الأفكار المحددة والتنبه لخطورة القوالب الجامدة، السمة التي تجسدت بمرونتها فهي حركة الجماهير الفلسطينية لا حزب البعض المُنسجم أو الحركة الذراع لهذا الطرف أو ذاك وهنا يبرز حديثٌ آخر لكَ يا (حمادة) أن تبحث به فالتاريخ يزخر.

 المرونة التي اتسمت بها "فتح" أثبتت صحة سياسات وتوجهات قادتها بكافة المراحل وجدارة قدرة الاستشراف لديهم تبرهنها مناخات العالم العربي اليوم، وهي التي حفظت الشعب الفلسطيني من أتون الضياع والتقويض شعباً ونضالاً وقضيةً بل عبرها تجند العديد من كافة الأعراق والأديان والجنسيات والأصول لأجل فلسطين، كونها تأسست لصالح الكيانية الوطنية واستمدت مفرداتها من عذابات الفلسطينيين ولأجلهم كانت.

لطالما انهمك العديد في وضع مقارباتٍ تناولت الوضع الفلسطيني بمجمله أو جوانباً فيه إلا أنها لم تتحلَ في معظمها بالموضوعية إما لعدم امتلاك المعطيات اللازمة لعمل مثلِ تلك المقاربات أو لامتلاك مواقف مسبقة وأهدافاً ذاتية سلبتها المصداقية. وهذا ما وقع به الكاتب حمادة فراعنة في مقاربته الصادمة التي اجتهدها عبر مقالته التي نُشرت صباح الجمعة وجات تحت العنوان "سياسة الإحتواء الإسرائيلية"، إذ يبدو من مقاربته تلك رغم كونه أحد الذين انخرطوا في الفعل الفلسطيني قد تجاهل فصولاً عديدة من التاريخ المعاصر مفتقداً الأسس المعرفية المتصلة بمبادئ العلوم السياسية بل وخلط الحابل بالنابل وساوى بين الغث والسمين. 

لم يدرك فراعنة بعد أن الفلسطينيين يجابهون نوعاً منفرداً من الإحتلالات وسط مناخاتٍ عاجزة بل متربصة بهم أحياناً عديدة، وبأنهم يجاهدون لحفظ وجودهم ومكانة قضيتهم وسط واقعٍ عربي أنتجته سياسات البيت الأبيض مُتّخذةً من شعار (الفوضى الخلّاقة) منهجاً لأسر المنطقة وبعثرت الأواصر بين شعوبها، فمَنْ حظر النفط عن العالم بالأمس يقطع الرزق عن الفلسطيني اليوم وهو في خضم نضاله ضد الاحتلال الذي يصادر مقومات حياته. واجتهد كذلك ليساوي عبثاً بين الحركة التي منها استمد قادة في حزب الله اللبناني عقيدتهم القتالية فور تأسيسه وبسلاحها بدأوا وبين تشكيلاتٍ تنافت وجوداً مع كل وطنيّ في تكوينها بل و أتت في بعض الأحيان بديلاً عن إرادة الشعب. لقد أسست "فتح" لجانب الفصائل الوطنية ضمن منظمة التحرير الفلسطينية للكيانية الوطنية وحفظت مقومات رسوخها حقيقةً واضحة لا يمكن لأية قوة في العالم أن تتجاوزها، وزاوجت بين التحرير والبناء لترد على منهج مؤسسي دولة الكيان المحتل الذي تجسد في مقولة اسحاق رابين فور توقيعه لاتفاق أوسلو وبأن " الفلسطينييون لا يستحقون دولة ". 

 وهنا أتوجه لفراعنة بتساؤل (هل يوجد مثال واحد لشعبٍ واجه جرائم محتله وناضل لتقرير مصيره في ذات الوقت الذي سعى فيه جاهداً لتأسيس دولته؟). لم تأتِ "فتح" إرادة تماهت مع محتلها وبمواجهة شعبها، ولم تستلهم من الأديان أو تضحيات شعبها شعاراتٍ برّاقة تسلب بها إرادة الجموع المضطهدة خدمةً لهذا الطرف أو ذاك، ولم تكن يوماً امتداداً لقوة هنا أو هناك، ولم تمنح جموع الصهاينة المبرر لاعتماد قانون القومية. ولم تفسح "فتح" الطريق أمام العدو لاستباحة أبناء شعبها لحماً حياً ودماً نازفاً ولم تدير المعارك بالوكالة، ولم تتنصل وهي تقود الكيانية الفلسطينية من دورها القومي لتصر على المواقف التي بإمكانها التصدي لواقعٍ عربي جديد تديره إداراتٍ وليدة تحتكم لليمين الصهيوني المتطرف تحت دوافع الأمن والسلام؛ وممنْ !
 و لتعلم جيداً يا (حمادة) بأنك لن تجد مَنْ هو أحرص على شعبه وأشد انتقاداً وتصدياً لكل شأنٍ أو سلوك بإمكانه أن يحيد عن المسار النضالي أكثر من أبناء "فتح" أنفسهم، الذين من قلب مؤسساتهم (وامتيازاتها كما أشرت) هبوا مراراً في وجه المحتل ليغدو معظمهم تحت ثرى أرضهم شهداءًا أو داخل معتقلات الإحتلال شهداءًا أحياءا، ولهم توجه علّك تدرك "فتح" جيداً وبأنها ضد الإحتواء.