وكالة وطن 24 الاخبارية

جبهاتٍ متعددة تخوضها حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" كونها الفصيل الذي بنى الكينونة والهوية الوطنية مُستثمراً ومنذ انطلاقته الميّزات والإرادة الذاتية للشعب الرازح تحت فصول مآساته الممتدة.  

مطباتٍ عديدة اعترضت مسار "فتح" منها تلك التي جاءت مواقفاً رافضة لفكرتها تبنتها أنظمة عربية فور نشأتِها، أو المُستَهدفة لبنيانها الداخلي وبمحطاتٍ حرجة، إلا أن عوامل بقائها حالت دونَ إنهائها كحركة وطنية، أهمها المناخ العربي الحاضِن والذي تشكّل حينه من مجموع الحركات الوطنية والقومية في النصف الثاني من القرن الماضي، إلى جانب تكوينها الجماهيري، والمرونة التي تسلحت بها في مواجهة الحركة الصهيونية ومشروعها ذي الطبيعة التوسعية الإحلالية. 

محاولاتٍ متكررة قامت بها أطراف مختلفة في مسعىً لضرب "فتح" بعمقها، فهي حركة التحرر الوطني الوحيدة التي لا زالت تقود المسار النضالي في مركز الصراع القائم على المنطقة العربية. المُلاحظ هنا؛ أن منهجية تلك المحاولات اختلفتْ من استهدافها من خارجها عبر الاغتيالات التي طالت قادتها، أو تضييق الخناق عليها للحد من قدراتها، باتجاه استهداف داخلها وتشويه دورها الرئيس في التصدي لكل ما من شأنه تصفية القضية الفلسطينية، الواقع الذي واجهته "فتح" تحدياتٍ جديّة ظهرت فور توقيع اتفاق أوسلو وعودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية للأراض التي احتُلت عام 1967، كثيرٌ منها وجد من ترهل هياكلها الداخلية أرضاً خصبة. 

وها هي اليوم كذلك؛ وبخضم ما تقوده في ميادينٍ عديدة تقف "فتح" أمام تحدٍ حرج مُرَكب الأزمات، لا لكونه مرتبطاً بالمرحلة الأولى من الانتخابات، وإنما لأن هذا الاستحقاق دفعَ بقضايا داخلية مُلِّحة للواجهة وبالتزامن ماجت الحراكات في شرايين الحركة، البعض يراه حالاً اعتيادياً دائماً ما اختبرته ومنذ نشأتها بل اعتُبِرعنصر قوة حفِظ رياديتها، البعض الآخر يراها تهديداً جدياً يطال دورها ومكانتها في الخارطة الفلسطينية، هناك نفرٌ يعتقد أن ما يطفو مؤخراً على سطح "فتح" سيكفل انهيارها كحركة وطنية خاصةً بِظل عدة عوامل مساعِدة، أبرزها (بظل الواقع السياسي) الاقتصادية التي شكلت قاعدة انطلاقٍ لأطرافٍ عدة بعيداً عن المسار الذي اعتمدته "فتح" منهجاً لها.

تتجه اليوم أنظار كافة الأطراف سواء كانت فلسطينية أو عربية أو إقليمية ودولية نحو ما يدور بدوائر صنع القرار الفتحوي، خاصةً بِظل الحديث عن احتمالية تعدد القوائم الند لقائمتها الرسمية، تلك التي ستتشكل مِمَنْ انخرطوا يوماً في صفوفها. بعض تلك الأطراف ترقُبْ بعينٍ قلقة حيث فقدان "فتح" لدورها الرئيس سيكفل اندثار مكونات أصيلة تستظل بعباءتها، أطراف محيطة ترى في غيابها تهديدٌ حتميّ للاستقرار في المنطقة بل لأمنها القومي في أحيانٍ كثيرة، أطرافٌ أخرى ترى في تراجعها كحركة وطنية إنجازٌ، حيث تُزاح عقبة لطالما أعاقت مشاريع تصفية القضية العادلة. تركزت تلك الأنظار فور إعلان أحد أعضاء لجنتها المركزية سعيه لتشكيل قائمة بخلاف قائمة الحركة الرسمية.

الترشح حق مكفول لكل فلسطينية وفلسطيني استوفوا الشروط الخاصة به بموجب القانون الأساسي، ولكل مكوّن سياسي الحق بتقديم قائمته لخوض الانتخابات، لكن ما اختلفَ هنا أولاً يرتبط بالفصيل القائد في الحالة الفلسطينية، وثانياً كون مَن يود تشكيل القائمة تلك يتمتع بعضوية أعلى هيئة تنظيمية في "فتح"، بالتزامن مع ما تخوضه الحركة في معتركاتٍ عديدة ليس أقلها إنجاز المصالحة الوطنية. أيضاً؛ هناك حديث عن ذات المساعي لبعضٍ مما كانوا يوماً قيادييّن ضمن صفوفها، المُشترك في جملتها أنهم يبنون توجهاتهم على ما يقاسيه الفلسطينيّون، أو ما يعتمر صدور الفتحوييّن من تطلعات لتصويب الواقع الحركي بتفاصيله، كذلك أنهم تناسوا كونهم شاركوا في دائرة صنع القرار حين تبوأوا مناصب عُليا بأوقاتٍ متفاوتة، أيّ أن الشعب خبرهم سابقا.

ويبدو أن هؤلاء الساعون للخروج من عباءة "فتح" التي أظلتهم، تجاهلوا ما يُلخصه التعبير الشعبي "حارتنا ضيقة .." بحيث باتوا يطرحون من الرؤى تلك التي توظِف هموم شعبهم وأبناء حركتهم وتُلمح لحلول سحرية تُعالج الراهن من القضايا خدمةً لتوجهاتهم، بل كثفوا من الإشارة لإخفاقات طالت مستوياتٍ عدة وثغرات أصابت أطراً هامة، متنصلين من الأدوار التي أدوها ضمن المنظومة برمتها، بل وصمتهم في أدق المواقف! كما يبدو أن محاولة زج حركة "فتح" بِثقلها في أتون النزاعات والخلافات الداخلية مؤخراً، هي تكرار لذات المحاولات التي طالتها عبر مختلف المراحل، كذلك تتضح جلياً ضحالة مدارك هؤلاء (المنفلتين) حيث انحصرت جهودهم بحدود الانتخابات - بعيداً عن القضايا الأساس - والتي لا تشكل لأهداف الحركة سقفاً. يسهُل الوقوف في دائرة الاتهام ، لكن لكم هو صعب التواجد في دائرة تحمل المسؤولية، وعليه بات من الضرورة بمكان أن تستخدم "فتح" غربالها لتهزه وبكافة المستويات، فلا يضيرها التخلص من زعامات الصدفة ولن يعيق ديمومتها عِظَم الأمانة ولا ثِقل المسؤوليات، ولقواعدها استُوجِبت العودة.


بقلم : ميساء أبو زيدان.