وكالة وطن 24 الاخبارية

ترقّبَ الإسرائيليون؛ منذ أن احتدم التوتر بين واشنطن وطهران فور إعلان دونالد ترامب رسمياً خروج بلاده من الاتفاق النووي، ماهية الردود الإيرانية على سلسلة الهجمات الإسرائيلية، من استهداف شخصيات ومنشآت نووية أو ناقلات بحرية ومناطق تتصل ونفوذها. لكن الرد جاء بخلاف التقديرات والتوقعات؛ فرسالة طهران التي بعثتها في العاشر من أيار الماضي لِأطراف عديدة، من قطاع غزة تحديداً حققت جملة من الأهداف، منها (الواضحة) قصيرة المدى المُتصلة بالجولات التي تشهدها فيينا حيث تُجرى المفاوضات بخصوص الملف النووي، ومنها تلك (المُستترة) إذ أنها تتصل وتاريخ علاقات «فارس» مع مكونات المنطقة.

المفارقة هنا؛ أنّ الإسرائيليين بعثوا برسالتهم من قطاع غزة أيضاً، إلا أنّها ورغم ازدواجية أهدافها لم تؤسس على المدى البعيد، حيث ارتهنت بشخص نتنياهو لا بمشروع قومي، ووجِّهَت لطرف واحد هو الإدارة الأمريكية الحالية، والتي اعتُبِرت تجسيداً لإرادةً أمريكية وتوجهات دولية لمواجهة تفشي الشعبوية اليمينة، التي عمَّقها ترامب منهجاً بإدارته لمختلف الملفات. ورغم المقدرة المنفردة التي اتسم بها الإسرائيليون بكَسبِ الوقت لصالح مشروعهم التوسعي، إلا أن قادة الحرس الثوري أظهروا مهارة لافتة في اتخاذ القرار باللحظة الأنسب لتحقيق ما حددوه استراتيجياً. ومع ذلك لا يمكن التنكر للنتيجة التي فرضها زعيم اليمين الإسرائيلي المتطرف على واشنطن بالمقام الأول، التي اجتهد تحقيقها مراراً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فها هو يدفع الإدارة الأمريكية الحالية لتقديم الملف النووي الإيراني أولويةً بأجندة سياساتها الخارجية.

وعلى ما تقدم؛ يمكن الحديث عن بعض الثوابت لدى الأطراف المعنية بهذا المسار، بعيداً عن الإشارة لِمَفاعيل تندرج ضمنها، تتصل بمجملها (الثوابت) بعوامل جيوسياسية بخلاف التاريخية، أهمها والمشترك بين هذه الأطراف (قِوى عالمية) هو تفتيت المنطقة وضمان انعدام إمكانية تَشَكُّل تحالفات فيها خاصةً بظل عالم يتجه نحو تعدد القطبية، حيث المنطقة العربية الميدان الرئيس لتلك المتغيرات لاعتباراتٍ متعددة أهمها الجغرافية. كذلك؛ ترسيخ دور الكيان الوظيفي (إسرائيل) كونه باتَ يشكل عبئاً على بعض الأطراف، من خلال منحه الذرائع الأمنية حيث إيران التهديد الوجودي والولايات المتحدة الحليف الرئيس، لكن المُستَهدف واحد؛ دول المنطقة ومواردها.

لطالما تغنت طهران بالقدس قضيتها؛ حتى أنها خصصت فيلق لتحريرها (الهدف المعلن)، فَرهنت وكلائها في المنطقة لتحريرها! فاستخدمت مؤخراً ثِقَلها في قطاع غزة الذي زودته بقدراتٍ محدودة عبر قنواتٍ متعددة، أحدها من اليمن جنوباً، في ذات الوقت حرِصت على استقرار الجبهة الشمالية، كون معادلة علاقاتها بالملف السوري واللبناني مختلفة تماماً، وارتبطت عناصرها بالمناخ الخليجي (السعودية) والأوروبي.
ابتدع نتنياهو سياسة فرض الوقائع بحدود معينة، أمّا اليوم وبالتزامن مع الموجة الشامِتة بإمكانية غيابه عن المشهد كما غابَ حليفه ترامب قبله بشهور، فقد استطاع فرض الوقائع في المنطقة والإقليم، بالمستوى الذي دفع لحراك دولي جاء كضرورة. وبهذا السياق يستوجب على دول منطقتنا التنبه إلى أن المبررات الإسرائيلية التي تقف وراء توسعها نفوذاً (الخطر الإيراني)، فنَّدَتها مصر بالتعاون مع الأردن عبر دورهما الرئيس لنزع فتيل الأزمة بالمشهد الفلسطيني مؤخراً. مصر؛ التي كشفت مخطط خلية (حزب الله) عام 2009، أحد المحاولات الجادّة التي اندرجت ضمن مخطط «الفوضى الخلّاقة» فيها.

لقد تذرَّع الإسرائيليون بصواريخ الفصائل من غزة لتبرير عدوانهم الفاشي عليه، فهل يتذرَعون من أماكن تموضعهم حديثاً (بحكم اتفاقيات التطبيع الأخيرة) في الخليج العربي، بتهديدٍ إيراني مختلف الصيغ؟ الحقيقة المتجلية وسط هذا كله؛ أنّ مصر باتت تُشكل والأردن محوراً هو صمام أمان واستقرار المنطقة.


بقلم : ميساء زيدان