وكالة وطن 24 الاخبارية حسني حسن

 
في أعماق نفسه، آمن دائما أن ثمة شيئاً، نورانياً، يكمن بداخله. صحيح أنه لم يكن ليمتلك الشجاعة الكافية، ولا الجسارة اللازمة، لإعلان عقيدته الذاتية تلك، حيث كان مجبولاً على الخوف من الآخرين، وعلى الفزع من العالم، لكنه، وبالرغم من رعبه وانسحابه الجواني المستدام، لطالما عاش أوهام القوة، الباطشة المدمرة، كيقينٍ ثابتٍ لا يتطرق إليه الشك، ولا يقبل النقاش! وتمحورت أحلام يقظته، ومنامه، اليومية حول رغبتين اثنتين، لا ثالث لهما؛ كانت أولاهما القتل، أما الثانية فلم تكن سوى الطيران والتحليق. فكثيراً ما رأى نفسه يجول في الشوارع، المكتظة بالناس، الذين يكرههم من صميم قلبه، شفافاً غير مرئي بالمرة، حاملاً مسدساً أتوماتيكياً ضخماً محشواً بالطلقات وجاهزاً للإطلاق، حيث يروح يقنص، عشوائياً، بعضاً ممن يُلقي بهم قدرهم العاثر في طريقه، بالصدفة. عندها، كان يتلذذ بالتحديق في عيونهم التي تشخص، بغتةً، بموتٍ مجاني مجهول المصدر والعلة. أما اختلاجات أجسامهم، المصروعة غِيلة، واضطراباتهم، كما يضطرب الطير المذبوح، فقد كانت تثير في عموده الفقري، من أعلى لأسفل، لذة حسية، عميقة جارفة وذات طبيعة شبقية واضحة، إلى الحد الذي يستشعر معه عضوه الذكري وقد تصلب في سراويله حتى الألم، بعدها يصحو، مُشوَشاً مُلتاثاً مٌبتلاً ومُنهَكاً، فيجري نحو الحمام، ليفرِغ مثانته، وكآبته، التي ستُلازمه على مدار الساعات التالية. أمَا أحلام التحليق، فعلى الرغم من كونها أقل خطورة وأهدأ إيقاعاً، فما كانت، هي الأخرى، بالأحلام الوردية الصافية! وكثيراً ما شعر بالتهديد، خلالها، بخطر السقوط غير المحسوب، لتُشَج جمجمته، ولتنبثق نوافير الدم، الساخن اللزج، من دماغه، حيث يقوم بلحس دمه بلسانه، محاولاً استعادة لياقته البدنية لمعاودة الطيران فوق هامات حشرات الناس والأحجار والغيطان والصحراء البعيدة مترامية الأطراف.

لكن الحلم الأعظم، الذي وحَد بداخله بين شهوتي القتل والطيران، كان حلم الفن. فمنذ اكتشافه لوهمية، وصبيانية، أحلام القداسة، المستمدة من مُخيَلة مشايخ كتاتيب القرية وزواياها المقامة بارتجال وعشوائية لطيفة محببة على جسور الترع وجنب التراكيب، ثم الطبيعة، المراهقة، لأحلام الثوار والمناضلين، الطالعة من روايات، عتيقة، لأدب ثوري كان رائجاً ثم عفا عليه الزمن بسرعةٍ بالغة، لم يتبق له ما يُمكنه أن يتشبث به سوى الكتابة! هكذا اعتقد، وهكذا راح يغذّي بداخله الاعتقاد، ليغدو، يوماً ما، الكاهن الأكبر في معبد الكتابة، تماماً، وبنفس الكيفية التي حلم بها، صبياً، أن يصير القديس أو شيخ الطريقة، أو تمناها، مراهِقاً وشاباً غضاً، أن يُصبح الخلاصة الثورية، النقية والمدهشة، “للينين” و”تروتسكي” و”ستالين” معاً.

أن تُحقِق حلمَك بأن تصير شيخ الحذائين، فهذا يتطلب، لا أقل، من أن تُبقى رأسكَ محنيةً، طول الوقت، على البنك الخشبي العتيق وأورمة التفصيل والجلد والمسامير، وقبل ذلك كله وبعده، على أقدام الناس وأمزجة تلك الأقدام ومقاساتها ونزواتها، العضوية وغير العضوية، ما يعني أن تُقايض روحكَ بقدمين، مطلقتين مجردتين، تأملان أن تصيرا خالدتين، في حذائين لا يعرفان البلى ولا الاهتراء، قد يعلوهما الوسخ، ولابد أن يعفرهما التراب، لكن لا بأس، فهذا من طبائع الأشياء وسُنن الوجود، أمّا شيخ الحذائين فقد حققتْ روحُه غاية وجودها عبرَ المراكيب!

ولن يختلف الأمر، كثيراً، عن ذلك، عندما تكرِس حياتَك بطولها، أو فلنقل بدقة أكبر، عندما تزرع في روحك، قسراً أو بالتراضي، يقيناً منسوجاً من مادة الاشتهاء الممض والولع الكاوي، بأنك كاهن الكتابة وحِبرها الأعظم، الأمر الذي يستلزم أن تُقايض روحَك، هذه المرّة، ربما بما هو أشد فهاهة، وأقل لزومية للحياة، من الجلد والأحذية، بالكلمات والورق، وأن تستهدف تحقيق الروح لوجودها بالصور والتراكيب اللُغوية، أمّا البديل، الوحيد المُتَاح، بعد ذاك الخيار، فهو الانتحار!

كانت قد ضجرت منه كُليةً. ثلاثون عاماً من الزواج أنسَلتْ ولداً وبنتاً، وأقامت بيتاً، متداعي القوائم، لا تعرف البهجة له باباً تدخل منه، لكنه بيت، على أية حال! وهو، فوق ذلك، بيتٌ مبهورٌ بفكرة العظمة وأوهام التفوق، بأحلام الثراء، وبمخاوفَ مركوزةٍ لا تنهزم أمام شبح الفقر والعوز والإحساس بالضآلة الاجتماعية. ثلاثون عاماً راح، كلٌ منهما، يثبِت دعامات بيت حلمه الخاص، وحده؛ استهلكتَها الدروس الخصوصية، لعشر ساعات يومياً بعد المدرسة، من شقةٍ لشقة، ومن مركز تعليمي لسنتر، ومن الأمل في مجرد سد احتياجات البيت ومتطلبات الأبناء، إلى التطلع لامتلاك قطعة من الأرض وبعض شقق التمليك، والسيارة طبعاً. أما هو، وبعد أن أكل على مائدتها كل ما كانت تجود على الأسرة به، فقد صرخ في وجهها، شاكياً ومتبرِماً:
– أعيش لكي أكتب، أنتِ لا تفهمين!
– لكي تكتب لابد وأن تعيش أولاً، وأنا من يوفِر لك العيش، فمن منّا الذي لا يفهم؟
– وصلنا للمعايرة الآن؟
– ما عادتْ تفيد، لا فائدة من الكلام كله، فلنزوِّج البنت، ونعلِّم الولد ليشقَ طريقه، وليكن بعد ذلك ما يكون.

يَمضي كلٌ منّا في الحياة ليبتني صرحَ أسطورته الخاصة، وحيداً. قد تُشيِّد بناءً حلمياً عظيماَ، للأسرة أو للوطن أو للإله أو للجمال أو حتى، ولم لا؟، للذة. لكنك ستبقى، طول العمر، مشدوداً إليه، بألف وثاق ووثاق؛ في البداية، سترفع أحجارَ الصرح الثقيلة، حجراً وراء الآخر، على كاهلك، لتُعليه ولتعلو به، وربما لن يكون لديك ما يكفي من الوقت، ولا الميل، للوقوف لحظة والسؤال عمّا بعد! ستفكِّر في سُكنى الصرح، للأبد، أنت المسكون به، للأبد، لكنك، وفي لحظةٍ بعينها، وبعد أن تؤثثه برياش العمر وطنافسه، لن تلقَى روحُك فيه سوى الفراغ والظُلمة والبرد، ستسقط أوهامُ الأبدية، المعجونة بأوهام السُكنى، وستذروها، جميعها، ريحُ الهباء، عندها، ربما، ستفكِّر، نادماً، في كل تلك الأوقات الثمينة التي ضيّعتها، مُمتلِئاً بكل ما هو ليس ضرورياً، من دون أن تحيا، من دون أن تعي أن مجدَك سعادتَك عظمتَك الحقة ليست هناك بعيداً جداً، وإنما تحت قدميك بالذات، اليوم أمس وغداً، فقط عليك أن تُبصِرها، ولن تُبصِرها إلا بالعمى عن الأسطورة، بالكف عن معاندة مشيئة الريح وانقلابات الموج، بالفرح الطفولي، الغُفل البريء، بعري روحك، بلا استتارها، وبالتوقف عن حماقة محاولة صبغ أوراق الشجر بالطلاء الأخضر.

اعترف لصديقه، أخيراً:

– أُقايض حياتي بحكاية، أرويها عنها!

لم يلمح في نبرة صوته، ولا في نظرة عينيه المفتونة، لا تزال، بالقتل وبالتحليق، ما يدعوه إلى إظهار أدنى قدر من التعاطف معه. سحب نفساً، طويلاً، من سيجارته، وقال:

– تبدو وكأنك فخورٌ بذلك.

– لستُ فخوراً، لكني، كذلك، لستُ نادماً.

– تمنيتُ، لكَ، لو تُصبِح نادماً!

– هل تعرف ما آلت إليه رِفقة، وصداقة، “جيفارا” و”كاسترو”؟

– أعرف ما تؤول إليه الصداقة، والرِفقة، يا صديقي.

– إذاً؟

– آه، لكن لا تَعجَل علينا، كلَ هذه العجلة، أيها الكاتب الكبير!

– ومن يضمن لي أننا لسنا مجرد قطعة تافهة، في نسيج حلمٍ متواصل لكائنٍ كوني ما، يقبع في تضاعيف وجودٍ ما، يتأسس على آليتي القتل والتحليق؟!
في هدأة الليل، لم تدو طلقةٌ، و لا برَق نصلٌ حادٌ لسكين. لا، لم يحدث شيء من ذلك على الإطلاق، ومن غير المحتمل أن يحدث، يوماً. لكن الغريب أنه يحدث، بطبيعة الحال، كلَ يومٍ، ليتامى الرب اللا معدودين؛ أولئك الذين يروحون في عتمة الغابة، باشتهاء التبدد.