وكالة وطن 24 الاخبارية

لا يمكن الحديث عن التجريد في الفن التشكيلي دون العودة إلى الوراء للبحث عن مقدماته قبل بدايات القرن العشرين، حيث كان الفنانون يستخدمون عناصر الفن المجردة (الخط، واللون، والشكل، والملمس، والمساحة) لوصف العالم والطبيعة من حولهم، أو التعاملات اليومية، أو سرد الأحداث التاريخية وإعادة توضيحها، أو استعمال الفن لإيضاح القصص الديني وإيصاله للجمهور بشكل أكثر بساطة، ولقرون طويلة سيطرت الوظيفة التوضيحية أو التعبيرية على مفهوم الفن التشكيلي.

 
يمكن القول إن أولى المدارس الفنية الثورية هي المدرسة الرومانسية، التي ثارت على قيود المدرسة الكلاسيكية، ودافع فنانوها عن رغبتهم في التعبير بشكل شخصي عن أفكارهم ومشاعرهم، دون التقيد بمفاهيم الجمال الكلاسيكية الخالية من المشاعر والخيال الشخصي.

بالطبع لا يمكن إدراج المدرسة الرومانسية تحت إطار التجريد الفني، لكنها كانت بداية التحرر الفكري، وجاءت بعدها المدرسة الانطباعية التي أولت اهتمامها الأكبر للضوء وتأثيره، في تجاهل كبير لأهمية الخط كعنصر أساسي من عناصر الرسم الكلاسيكي، حيث إن اللوحات الانطباعية لم تكن أبدا تبدأ بخطوط في الأساس؛ أي أنه عند إزالة اللون من السطح لا يصبح هناك تخطيط فني ولا لوحة فنية.

لكن مع كل هذه الثورات والتغيرات، ما زال الجمهور يمكنه التعرف على الأشكال والعناصر الموجودة باللوحة حتى لو لم تكن تشبه الواقع تماما.

أول لوحة تجريدية

خلال السنوات الخمس التي سبقت الحرب العالمية الأولى بدأ فنانون مثل روبرت ديلوناي، وفاسيلي كاندنسكي، وكازيمير ماليفيتش وفلاديمير تاتلين، التحول إلى التجريد بشكل أساسي.

ويعتبر الفنان الروسي فاسيلي كاندنسكي أول فنان حديث يرسم لوحة مائية مجردة بحتة لا تحتوي على أي شكل يمكن التعرف عليه (1910-1911). وعرضت اللوحة في ميونيخ، وكانت أول لوحة من هذا النوع يتم عرضها، واعتبرت حدثا كبيرا في عالم الفن، وسببا في معرفة التجريد وأخذه على محمل الجد، بالإضافة إلى كتابه "الروحانية في الفن" (1912) الذي أكد فيه التأثيرات النفسية للألوان، وقناعته بأهمية خلق ما يمكن أن تطلق عليه موسيقى لونية يتواصل معها المتلقي، دون موضوع محدد يأخذ أفكاره ومشاعره بعيدا عن قوة اللون وتأثيره.

خلال الحرب العالمية الأولى، أدى ظهور مجموعة دي ستيجل في هولندا ومجموعة دادا في زيوريخ إلى زيادة اتساع نطاق الفن التجريدي، وازدهر أكثر بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكأن الفنانين كانوا يبحثون عن طرقهم الخاصة للخلاص والتحرر والثورة عن طريق الفن.

بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت مدرسة أميركية شديدة الحيوية للوحة التجريدية، هي المدرسة التعبيرية التجريدية، وكان لها تأثير كبير على اتساع نطاق حركة الفن التجريدي، وقبول الجمهور له، ومنذ خمسينيات القرن العشرين أصبح الفن التجريدي، طريقة مقبولة وتمارس على نطاق واسع في أوروبا وأميركا.
كيف يمكن فك شفرات الفن التجريدي؟

يقوم جوهر التجريد على التعبير عن الأفكار والخيال والمشاعر، لأن المهم في الفن ليس تقليد الطبيعة، بل التعبير عن المشاعر من خلال اختيار الألوان والخطوط.


إذن التجريد يحاول جعل الفن أكثر نقاء، عن طريق التخلص من الموضوع، والاعتماد على تأثير الأشكال والألوان فقط. كانت الموسيقى التي يستمع إليها الجمهور دون كلمات -هدفا ومثالا- توحي للفنانين كثيرا بموسيقى بصرية خالصة عن طريق الرسم والألوان.

لفهم السبب في أن أغلب الجماهير لا يتفاعلون مع الفن التجريدي، يجب أن نعرف لماذا يحبون الأنماط الفنية الأخرى؛ فالجماهير غالبا تفضل اللوحات ذات الموضوعات التمثيلية والألوان الزاهية، التي تحمل مشاهد من الطبيعة أو الحياة اليومية، أو الحكايات التاريخية، لأنها جميلة وسهلة بالنسبة للعيون.

بالإضافة إلى أن المقارنة التي تتم بين اللوحة والواقع تخلق علاقة مباشرة بين اللوحة والمتفرج، بمعنى أن كل ما يحتاج المتلقي معرفته موجود على سطح اللوحة، يقدمه الفنان له بشكل كامل، ولا يتطلب الأمر منه شيئا سوى الاستمتاع المحض فقط.

بينما في الفن التجريدي الأمر مختلف تماما؛ لأن الفنان لا يقدم أي تفسيرات، ولا يعتمد المفاهيم الجمالية المتعارف عليها في ذاكرة المتلقي، بل يطلب منه تقديم تفسيره الخاص في الوقت الذي يخشى فيه الناس تقديم إجابة خاطئة، ظنا منهم أنها إجابة واحدة صحيحة ونموذجية لما هو داخل اللوحة.
أهمية طرح التساؤلات

أثناء مشاهدة اللوحات التجريدية يجب على المشاهد طرح التساؤلات على نفسه، والأمر هنا يقترب من التفكير والاستمتاع الذهني، وليس الاستمتاع البصري فقط، لأن فناني التجريد يريدون التركيز على المشاعر والأفكار عبر خلق قصة يتابعها كل متلق حسب خلفيته النفسية والثقافية والإنسانية. أي أن العمل التجريدي يحتمل أكثر من تأويل حسب رؤية كل متفرج.

بالإضافة إلى ذلك يمكن أن تؤدي معرفة القليل عن السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي لفترة إنتاج اللوحة؛ إلى تسهيل التفاعل معها، وفهم أسباب خلقها لدى الفنان، رغم أن بعض الفنانين لا يريدون للمشاهد معرفة أي شيء خارج اللوحة، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل قول الناقد ومؤرخ الفن جون بيرغر "اللوحة هي نفق بين زمن إنتاجها، وزمان مشاهدة المتلقي لها" ومن خلال المشاهدة المتعمقة يمكن للمشاهد عبور هذا النفق.

بشكل عام يجب تأكيد أن الفن التجريدي ليس أقل شأنا من الفن الواقعي، وليس مجرد شخبطات متسارعة يمكن لأي شخص تنفيذها، لكنه بالتأكيد يتعارض مع التقاليد الكبرى للرسم للأكاديمي، لأنه قائم على الفكرة واللوحة تصبح أرضا خصبة للاستكشاف والتجريب أمام الفنان، بالإضافة إلى أن الفنان التجريدي لم يصبح تجريديا فجأة، لكنه سار في مسار طويل من الرسم والتجربة والاستكشاف حتى وصل إلى التجريد.

كذلك المتفرج لا يمكنه أن يتفاعل مع الفن التجريدي بشكل مفاجئ، لأنه يشبه موسيقى دون كلمات، لذلك يحتاج المتلقي إلى رحلة طويلة من المشاهدة والانفتاح والتفاعل البصري والذهني مع الفن التشكيلي، حتى يمكنه التفاعل بشكل صادق مع التجريد الفني.