وكالة وطن 24 الاخبارية

 يدخل في كامل بهرجه وبهرجته، يرتدي حُلة براقة صاخبة اللون، وخوذة ضخمة مزينة، يدخل ليجلس في حرج وتلعثم ليقر وسط الجالسين بأنه مدمن للمخدرات والكحول والجنس والشراء. 

هكذا يبدأ فيلم «روكيتمان» للمخرج البريطاني دكستر فليتشر عن حياة أيقونة الغناء والموسيقى ألتون جون، الفيلم الذي يعرض حاليا في دور العرض اللندنية.
يختار فليتشر أن يبدأ مقاربته لحياة جون من تلك اللحظة تحديدا، لحظة إقراره بإدمانه المتعدد الأشكال وسعيه للخلاص منه. يبدأ بلحظة تحرر، نشعر فيها بأن صاحبها يتخلص من ثقل كبير ويتنفس الصعداء ويحيا، وهذا ما نشعر به نحن أيضا ونحن نشاهد الفيلم: الكثير من الحياة والخفة والطرب والموهبة، رغم الألم.

 لا يقدم الفيلم سردا زمنيا متسلسلا لحياة جون، بل يحولها إلى فانتازيا موسيقية، يتخللها العديد من أغنيات جون، التي اختارها فليتشر ليس وفقا لترتيب مجيئها في مسيرة جون الغنائية والموسيقية، ولكن لمناسبتها للحدث الدرامي. يتناول الفيلم حياة جون من أبعاد مختلفة، منها البعد النفسي وعلاقته الإشكالية بوالده، والبعد الموسيقى، عن أذنه التي لم تخطئ قط لحنا منذ نعومة أظفاره وموهبته الموسيقية الفذة، والبعد الجنسي واكتشافه لذاته كرجل مثلي، في وقت كانت الميول المثلية فيه يجب أن تبقى سرا وطي الكتمان.

قد يكون الصبي الخجول الموهوب ريجي قد خلق شخصية جديدة بإسم براق جديد ليحمي به ذاته الهشة، ولكن الموسيقى والغناء والموهبة والإبداع تبقى القواسم المشتركة بين الشخصيتين.

ويجمع فليتشر جميع هذه الجوانب في أجواء من الفانتازيا الموسيقية، التي تجذب الجماهير بدون ابتذال أو ابتزاز للمشاعر. يصحبنا الفيلم في رحلة في حياة ألتون جون تتراوح بين الحياة العامة ووجها المبهرج البراق والحياة الخاصة بما فيها من سعادات وألم، ننتقل من حفلاته الموسيقية التي حضرها الآلاف من جمهوره، إلى حياته الخاصة وعلاقته بمدير أعماله/صديقه وعلاقته بوالدته ووالده الغائب من حياته. يجمع فليتشر هذه الخطوط جميعا في عالم جديد من إبداعه أسكنه رؤيته لسيرة وروح وإبداع إلتون جون، عالم مدهش بصريا وموسيقيا، نعيش فيه منتشين بالإبداع والموسيقى والألوان.

أداء متميز للغاية لتارون إغرتون في دور إلتون جون، حضور كبير تمثيلا وأداء موسيقيا وغنائيا، فقد اختار فليتشر أن يؤدي إغرتون أغاني جون بصوته بدلا من أن نسمع الأغاني بصوت جون الحقيقي. ويأتي هذا الخيار متسقا تماما مع تناول الفيلم لحياة إلتون جون، فهو لا يقدم سيرة خطية سردية لحياته بقدر ما يستلهمها ويقدم روحها ورؤيته لها. أما عن شخصية ألتون جون كما يطرحها لنا الفيلم، فيمكن أن نستشفها من سؤال ريجي الصغير (الاسم الحقيقي لألتون جون هو ريجينالد دوايت) لوالده «متى ستحتضنني؟». إنها قصة طفل ذي موهبة فذة يبحث عن حب والده ومباركته له، وقصة «انطوائي يضطر أن يكون اجتماعيا» وأن يعيش وسط صخب من الحفلات والسهر والحياة الباذخة والمخدرات، لأنه يبحث عن حب قيل له إنه لن يجده قط لأنه مثلي الميول الجنسية. ولكن الفيلم لا يخلق مأساة من لا مأساة، ولا يبتز مشاعر الجمهور ببكائيات غير مبررة.

 هو فيلم يحمل قدرا كبيرا من التفاؤل، إن أردتم، أو البهجة رغم الألم، حتى محاولة جون الانتحار نسجها الفيلم في إطار التغلب على الألم وخلق الذات من جديد. بدلا من تصويرها كمحاولة للغرق يبدو الأمر لنا كحياة جديدة تنبثق من أعماق الماء.

لا يحاول الفيلم أن يخلق بكائية أو عالما فضائحيا عن مغن كانت الصحف أحيانا لا تخلو يوميا من صوره وصور حياته الصاخبة.

يقدم فليتشر فيلما يفيض حياة وألوانا وموسيقى، فيلما جماهيريا، يتمايل الجمهور طربا وهو يستمع فيه إلى ثلة من أغاني ألتون جون التي ألفتها أذنه ويعيش وسط الأجواء والألوان. ولكن جماهيرية الفيلم لا تأتي قط على حساب جودته. أما ما نستشفه عن حياة جون عبر الفيلم فهو ما أوجزه فليتشر في اختياره الصائب تماما لآخر أغنية تضمنها الفيلم، أغنية ألتون جون الشهيرة «ما زلت أقف على قدميّ، أبدو كناجٍ حقيقي، أبتسم كطفل صغير». لا يحاول الفيلم أن يخلق بكائية أو عالما فضائحيا عن مغن كانت الصحف أحيانا لا تخلو يوميا من صوره وصور حياته الصاخبة. 

يذهب الفيلم بنا إلى ما وراء هذه الحياة الصاخبة ربما ليقول لنا إن الألم النفسي جزء لا يتجزأ من الإبداع وإنه لولا الألم لما خلق إلتون جون فنا، ولولا الرغبة في إيجاد الحب لما أبدع أغاني تخلد في الذاكرة. ربما يسعى الفيلم أن يقول لنا إن الإدمان المتعدد الأشكال الذي استهل فليتشر الفيلم بسرده من الكحول للمخدرات للعقاقير المسكنة للجنس للتسوق، ما هي إلا سبل لتخفيف ألم نفسي ضروري للإبداع أو سبل لخلق توازن في حياة مليئة بالتنقل والحركة والاضطراب، ولكنه اتزان كاذب، يجب التخلي عنه للوصول إلى صلح حقيقي مع الذات. ولا يقدم الفيلم موسيقى ألتون جون كنتاج إبداعي منفصل عن حياته الشخصية ومعاناته، بل وظفت أغانيه لتكشف لنا أن موسيقى جون جزء لا يتجزأ من حياته، موسيقاه نتاج لحياته وتعبير عما يكتنفه من مشاعر وتعبير عن آلامه وبهجته.