وكالة وطن 24 الاخبارية

مرت 70 سنة على نشر رواية «1984» وهي عمل يتخيل بطريقة كابوسية مذهلة، المآل الذي تصور جورج أورويل، كاتب الرواية، العالم ذاهبا نحوه.

 ورغم سقوط ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي، اللذين كانا التعبيرين العمليين عن ذلك المصير الأسود للبشرية، الذي يصوره الكاتب، فإن الأفكار والصور التي وردت فيه لم تكف عن الوجود والارتقاء ليس في البلدان الشيوعية الباقية، كالصين وكوريا الشمالية، والأنظمة الطغيانية العربية، بل حتى في بلدان الديمقراطية الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية في عهد دونالد ترامب الحالي أيضا.

يوثق كتاب صادر مؤخرا سيرة هذه الرواية وعلاقتها بحياة الكاتب، على الكتاب، وخصوصا فترة إقامته مريضا في سنة كتابة الكتاب في جزيرة معزولة ونضاله المستميت للبقاء على قيد الحياة لإنهائه.

إضافة إلى بيع الرواية عشرات الملايين من النسخ، فإنها سكنت ضمائر أعداد هائلة من البشر، بمن فيهم من لم يقرأوها أصلا، فالمصطلحات والكلمات التي وردت فيها صارت من العدة الرئيسية للتفكير السياسي، مثل «الأخ الأكبر»، «شرطة الأفكار»، «الغرفة 101»، «دقيقتا الكراهية»، «التفكير المزدوج»، «اللاشخص»، «تيليسكرين»، «2 + 2= 5»، «وزارة الحقيقة»، والأغرب من كل ذلك أن الكتاب جعل مصطلح «الأورويلية» تعبيرا عن كل ما كان الكاتب يكرهه ويخشاه.

تم اقتباس الرواية في السينما، التلفزيون، الراديو، المسرح، الأوبرا والباليه، كما أنها أثرت في الروايات والأفلام والمسرحيات والأعمال الموسيقية وقطاع الإعلان، والخطب السياسية، وحملات الانتخاب والانتفاضات. قضى أشخاص سنوات في السجن لمجرد قراءتها، ولم يصل أي عمل أدبي خلال القرن الماضي إلى تأثيرها الثقافي ووزنها الإبداعي، ورغم وجود كتاب، مثل هارولد بلوم وميلان كونديرا، اعتبروا شخصياتها ضعيفة، ونثرها مبعثرا، وحبكتها غير منطقية، فإنهم لم يستطيعوا إنكار أهميتها.

يقول دوريان لينسكي، كاتب سيرة الرواية، إن عمل أورويل تم تبنيه من قبل الاشتراكيين والمحافظين والفوضويين، والليبراليين والكاثوليك والمناضلين من أجل الحرية من كل صنف، ورغم اعتبار كونديرا للرواية «أفكارا سياسية متخفية على أنها رواية»، فإن نثر أورويل يخفي عالما من التعقيد، فرغم اعتبارها «ديستوبيا»، فإنها أيضا كتاب ساخر ورؤيوي، وإنذاري وأطروحة سياسية ورواية «خيال علمي»، وعمل إثارة جاسوسية ورعب نفسي ونص ما بعد حداثي ورواية حب.
يقول دوريان لينسكي، كاتب سيرة الرواية، إن عمل أورويل تم تبنيه من قبل الاشتراكيين والمحافظين والفوضويين، والليبراليين والكاثوليك والمناضلين من أجل الحرية من كل صنف.

أورويل العليل والرواية الشاهقة

قرأت الرواية مترجمة من قبل عبد الكريم ناصيف، وكنت في بداية عشرينياتي، وقد بدت لي كشفا مذهلا لا يصدق، فقد قامت بالتعبير عن وضع السوريين في ظل سيطرة حافظ الأسد، وأجهزة مخابراته على الفضاء العام، الذي كان يشابه، بطرق كثيرة، وجود «الأخ الأكبر» الذي يراقب الجميع، ولكنها كانت تصف أوضاعا عربية شبيهة، كما كانت نقدا لكل الأنظمة الشمولية، وكان نقدها للشيوعية، التي كانت النظرية المفضلة للمثقفين السوريين والعرب، واضحا، وهو ما ساعدني شخصيا على النظر بشكل نقدي إلى الماركسية والنظم والأحزاب السياسية التي كنت أحد تلاميذها وضحاياها.

يقول أورويل إن الرواية ما كانت لتكون بتلك السوداوية «لو لم أكن شديد المرض» حين كتابتها، والحقيقة أن سوداوية الرواية كانت مرعبة، ولكنها قد لا تكون مرعبة كفاية، لأن مصير الجنس البشري، وبعد مرور سبعة عقود على نشرها (في 8 يونيو/حزيران 1949)، لا يزال غير واضح، ولأن المتحكمين فيه حاليا، هم زعماء كالذين يقودون أمريكا وروسيا والصين والهند والبرازيل وكوريا الشمالية وبورما وأغلب الدول العربية، وهم، بأشكال متفاوتة، يمارسون الكثير مما تنبأ به أورويل.

كانت زوجة أورويل، آيلين، قد توفيت خلال عملية جراحية عام 1945، وفي سبيل التعافي والكتابة والتغيير انتقل إلى جزيرة اسكتلندية صغيرة تعدادها 300 شخص تدعى جورا، وعليه فقد غادر أورويل وأخته لندن عام 1946 إلى هناك، وفي ذلك العالم الذي «لا أعرف شخصا عاقلا فيه لديه أمل في المستقبل»، بدأ أورويل العليل بكتابة الكتاب الذي سوف يقضي عليه. إضافة إلى كتابة الرواية أخذ أورويل زراعة الفواكه والخضار، وصيد الأرانب، وتربية الأوز وصيد السمك والأصداف، ولأنه لا يريد العيش كراهب فقد دعا كثيرا من الأصدقاء، ورغم تحرره من أعباء الصحافة فإنه لم يجد حافزا كبيرا على الكتابة، ولكنه مع ذلك بدأ يكتب «1984» في سبتمبر/أيلول من ذلك العام في غرفة المعيشة أو النوم ودخان السجائر يحيط به.

مع انتهائه من الكتابة طلب من أصدقائه إيجاد ضارب على الآلة الكاتبة لطبع مخطوطته المكتوبة باليد، ولأن أحدا لم يتقدم، فقد قرر أن يطبع الرواية بنفسه عاملا سبعة أيام في الأسبوع بمعدل 4000 كلمة يوميا.

برتراند راسل أم رئيس «إف بي آي»؟

عاد أورويل إلى لندن في شتاء ذاك العام الذي هجم فيه برد وثلج قاسيان، وسينعكس ذلك على الفصول الأولى من الرواية، التي تتحدث عن المدينة التي مزقتها غارات الألمان، وقطع الكهرباء، والاقتصاد الراكد، وأنقاض الأبنية، الأكل السيئ، وشفرات الحلاقة البائسة، والبرد الفظيع. عند عودة الكاتب للجزيرة في الربيع كان قد كتب ثلث الرواية، وتراجعت صحته في الخريف، ورغم عرض من «الأوبزرفر» له للسفر إلى جنوب أمريكا وكينيا لكتابة تقارير منهما، فإنه لم يذهب إلى أي مكان، ورغم مرضه المتزايد فقد أصر على كتابة الرواية بدلا من رؤية طبيب خوفا من أن يجبره على وقف الكتابة. مع انتهائه من مخطوط الكتابة في 7 نوفمبر/تشرين الثاني سلم نفسه للأطباء في مشفى في اسكتلندا، ومنها لن يعود إلى الجزيرة أو إلى الرواية لسبعة أشهر، حيث سيخبره الأطباء بأن كلتي رئتيه معطوبتان بمرض السل، وبدلا من الذهاب إلى مصح فضل العودة إلى الجزيرة ليعيد كتابة الرواية من جديد.

مع انتهائه من الكتابة طلب من أصدقائه إيجاد ضارب على الآلة الكاتبة لطبع مخطوطته المكتوبة باليد، ولأن أحدا لم يتقدم، فقد قرر أن يطبع الرواية بنفسه عاملا سبعة أيام في الأسبوع بمعدل 4000 كلمة يوميا، وتناظر ذلك مع نوبات من الحمى والكحات المبقعة بالدماء، ومع نهاية ديسمبر/كانون الأول تمكن من طبع الكلمة الأخيرة فهبط إلى غرفة المعيشة وشرب آخر زجاجة نبيذ، ثم عاد للنوم، ومع بداية العام الجديد غادر الجزيرة إلى مصحة في غلوسترشير.

وبعد ورود نسخ أولى من الكتاب كتب أورويل قوائم بأسماء الأصدقاء الذين سيرسل لهم نسخا قبل عرضها على الجمهور مثل ألدوس هكسلي وهنري ميلر، طالبا من ناشره البريطاني أن يسأل برتراند راسل إن كان راغبا في كتابة ملخص عن الرواية للإعلان عنها وهو ما حصل فعلا، وكان مثيرا للسخرية لو علم أورويل أن ناشره الأمريكي كان يفكر بشخص من إدغار هوفر، الرئيس السيئ السمعة لوكالة التحقيقات الفيدرالية الأمريكية، لكتابة ملخص، وقد قام هوفر طبعا برفض الكتابة.

أحد الأشخاص الذين زاروه في مصحته كانت سونيا براونل، وهي صحافية شابة في مجلة «هورايزون»، التي سيتزوجها وهو في مشفى آخر، وقد أعطاه الزواج بعضا من الحيوية والأمل، وقال حينها إن لديه خمسة كتب عليه أن يكتبها، وقام بالتخطيط للانتقال إلى مصح في سويسرا، وتم حجز مروحية إسعاف للعروسين في 25 يناير/كانون الثاني عام 1950، برفقة لوسيان فرويد، الرسام الشهير وصديق زوجته، ولكن انفجارا في أوعية الدم حصل قبل أربعة أيام من السفر حيث نزف الكاتب حتى الموت، وبذلك توفي أورويل، ودفن باسمه الحقيقي، إيريك آرثر بلير، بعد 227 يوما من صدور الرواية.