وكالة وطن 24 الاخبارية

كيف استطاع شارلي شابلن ابن لندن البكر والأشهر اجتيازا آلاف الأميال حتى يصل إلى ما وصل إليه من شهرة مدوية في كل أنحاء الدنيا، ليستحوذ على انتباه المريدين بعدما يرتدي واحدا من مريديه ملابسه الرثة، ويطوف في أرجاء العالم يوزع الفرحة على الكبار والصغار، مقتسما القفشات والنكات مع هؤلاء البسطاء الذين يعرفونه جيدا؟

إنها ببساطة العبقرية التي لا تصنعها جغرافيا معينة، أو تلفقها سطوة جائرة. إنها الضحكة التي تدخل القلب فتزيل تجعيدة القهر، وتضمد جراحه وتزيح غبار الوجع. نحن نغوص في عالم شابلن المعجزة التاريخية الفنية النادرة. هذا العبقري الذي اختطف منا الضحكات ومنحنا السعادة صغارا أو كبارا، يخيل لي أن الضحك قبل شارلي شابلن لم يكن موجودا بوفرة على الأرض. ربما شهد حالات من الكساد بين الحين والحين. وندرة متقطعة في أحايين أخرى، حتى انتظمت دورته مع ميلاده. وبدأت أولى قطرات المطر تسقط، وسرعان ما اتسعت وتدفقت هنا وهناك. وأزعم أن الضحكات قبل ميلاده لم تكن تصاحبها أصوات. وأغلب الظن أنها كانت مكتومة. لقد نجح شارلي في أن يجعل للضحكات صوتا عاليا وقهقهة تخترق القلوب، وتقترب من الترنح والتمايل، حتى يظن البعض أنها بدايات الجنون.

ولد شارلي شابلن في السادس عشر من إبريل/نيسان سنة 1889 وهو العام نفسه الذي أقبل فيه مبدعون من كل بقاع الدنيا، أصلحوا من حالها وأسهموا في نهضتها ورقيها، أمثال آنا أخماتوفا الشاعرة الروسية، الفريد ليشتنشتاين الأديب الألماني، أوسكار ماوروس فونتانه الكاتب النمساوي، أنطونيو سالازار حاكم البرتغال سابقا، جواهر آل نهرو الهندي، جان كوكتو الأديب الفرنسي وغيرهم. وليس غريبا أن يبدأ أول بث لاسلكي من سفينة في عرض البحر في سنة 1889.

 وصاحبه بث آخر بدأ ما بين الضحك والبشرية، تمثل في ولادة قاهر طواحين الموت بالضحك شابلن، الذي تجاوزت شهرته حد الوصف. فكتب عنه أكثر من ألف كتاب ومقال وترجمت إلى أكثر من أربعين لغة. وبلغ عدد مشاهدي كل فيلم من الأفلام التي قدمها بين عامي 1918 و1931 وهي أفلامه الطويلة الصامتة أكثر من 300 مليون مشاهدة. ناهيك عن الملايين التي شاهدت أعماله بعد تلك الفترة، ومازالت تحتل المرتبة الأولى في المشاهدة. نحن بصدد فنان خارج التصنيفات المعتادة. فقد كان ممثلا كوميديا قديرا، كما كان يخرج أفلامه وينتجها ويكتب قصصها، ويقوم بعمل المونتاج لها، وكثيرا ما كان يضع الموسيقى لكثير منها. إن أيادي شارلي شابلن البيضاء على السينما الأمريكية لعبت دورا محوريا في التطور الفني لصناعة السينما.

في العشرينيات من القرن الماضي، كانت كلمة النجاح تقترن باسمه، وليس هناك دليل على ذالك سوى أن نذكر بقليل من التواضع أن اثنين من الاستوديوهات السينمائية أعلنا إفلاسهما بعد أن تركهما شابلن ليعمل مع استوديو آخر. ولعل في ذلك مؤشرا واضحا على أهمية الدور الذي كانت تلعبه أفلامه في الإيرادات، والجماهيرية التي كانت تحققها. والحكاية أن شابلن ولد في الشارع الشرقي في حي والورت في لندن أشد مناطق لندن فقرا وبؤسا، لأب اسمه تشارلز سبنسر تشابلن يعمل في جوقة موسيقية. وأم هي آنا تشابلن. كانت تعرف باسم ليلى هارلي تعمل في مسرح متواضع في لندن. ارتبط تشابلن بأمه ارتباطا روحيا فاق ارتباطه بأبيه كثيرا، حيث تكشف الصفحات الأولى من مذكراته عن سطور دلت عن هذا الارتباط عندما يقول عنها «مخلوقة لطيفة تقارب الثلاثين من العمر، مع بشرة صافية وعينين زرقاوين وشعر كستنائي طويل يمكنها الجلوس فوقه، وقيل لي في ما بعد ممن سبق أن عرفوها أنها كانت رقيقة وساحرة، وأن الفتنة كانت تفيض منها، كنت تناضل ضد ظروف معيشية مريعة في ذلك العصر الفيكتوري».

تبنى شابلن موقفا مؤيدا للفلسطينيين ضد الكيان الصهيوني، وضد الحضارة البريطانية القائمة على الاحتلال، وعلى ما فعلوه في فلسطين من عار تحكي عنه البشرية مدى الحياة.

لكن الأمر يختلف عندما تطالعنا كلماته الأولى عن والده «أما أبي فبالكاد كنت أعرف أن لي أبا، وأنا لا أتذكر أنه عاش معنا يوما، هو أيضا كان ممثلا في مسرح المنوعات، كان رجلا صامتا وكئيبا عيناه قاتمتان كانت أمه تقول إنه يشبه نابليون، لديه صوت خفيف يعتبرونه فنانا مرموقا، لكن المأساة أنه كان مدمنا على الشرب، وكان ذلك سببا وراء الانفصال بينه وبين أمي حسبما كانت تقول». ويضيف في موقع آخر من سيرته أنه التقى والده مرتين قبل أن يقيم معه بعد إصابة أمه بالجنون (المرة الأولى على المسرح والثانية عندما كان يجتاز حديقة المنزل مع إحدى السيدات فاقتربت منه ولما سألني عن اسمي أجبت مصطنعا البراءة (شارلي شابلن).فأعطاني نصف كورون، ورغم أن شابلن عاش مع أمه ويلات الفقر، سببها انفصال والده عنها، لكنه لم يضمر له الكراهية، ولم يذكره بسوء في مذكراته. وتكشف المصادمات بين شابلن وأخيه غير الشقيق سيدني من زوجة الأب من ناحية أخرى، أن والده كان ينتصر لهما ويساندهما. فشابلن لم يخف إعجابه به حتى إن رجحت كفة أمه. وتمثل هذا الإعجاب عندما كان يصرح بوضوح «كان يسحرني فخلال الطعام كنت أراقب كل حركاته وطريقته في الأكل وفي الإمساك بسكينته لقطع اللحم، كما لو كانت قلم حبر، وبقيت أقلده على مدى سنوات». وأصيبت أم شارلي شابلن بالجنون، وأرسلت إلى مأوى المجانين في كاين هيل. وقررت أن يتولى أبوه رعايته. نعم عاش شابلن مع أمه بعد الانفصال عن أبيه وعاش معها ويلات الفقر والحاجة، وكانت تبيع أغراضها لسد الرمق. فتركت هذه الحياة القاسية آثارا ظلت تلاحقه وتثير فيه الشجون والألم. ربما كان الشيء الوحيد الذي اتفق عليه والدا شابلن بعد انفصالهما، دفع الابن ناحية الفن.

لقد أصيب شابلن بنوبة ربو ومكث في البيت شهورا طويلة يتنفس بصعوبة وهو يعاني الشقاء مع أمه، كما ساءت حالة والده ولفظ أنفاسه الأخيرة ليصبح شابلن يتيم الأب فقير الحال، وألحقت أمه بالمستشفى واسودت الدنيا أمام عينيه، ليبدأ رحلة التسكع والتشرد، وعمل خادما وبقي وحيدا يتصعلك في ضواحي لندن بحثا عن العمل، أو بعض لقيمات يسد بها أوده حتى عمل في فرقة مسرحية لتقديم فقرات تمثيلية، ومع تزايد ليالي العرض كانت شعبية شابلن تزداد يوما بعد يوم، وحقق نجاحا بشخصية شارلو الصعلوك والمتشرد، واستطاع أن يديرها بحرفية عاليــــة وبدأت العجلة تدور وتنتقل إلى أماكن أكثر رحابة وتوهجا. عاش حياة المشاهير بانطلاقة سينمائية شهدت 34 فيلما في سنة 1914 ساهمت في انتشاره وصقل موهبته، وأصبح معلما من معالم هوليوود، وطافت شهرته كل الأرجاء وهو الأمر الذي جعل سيدة نبيلة تتبرع بـ20 ألف دولار آنذاك للصليب الأحمر لتحصل على مقعد بالقرب منه في عشاء خيري.

وقد تبنى شابلن موقفا مؤيدا للفلسطينيين ضد الكيان الصهيوني، وضد الحضارة البريطانية القائمة على الاحتلال، وعلى ما فعلوه في فلسطين من عار تحكي عنه البشرية مدى الحياة. وفي 25 ديسمبر/ كانون الأول سنة 1977 توقف قلبه ليستريح للأبد. من أفلامه التي ساهمت في نجاحه وشهرته: «كسب العيش، سباق الأطفال في فينيس، مأزق مابل الغريب، قسوة الحب، 20 دقيقة حب، الديكتاتور، رجل المطافئ، حياة كلب، كونتيسة من هونغ كونغ، ميستر فريدو».

٭ كاتب مغربي