وكالة وطن 24 الاخبارية

أستيقظ باكرا كعادتي أضغط على زرّ فيشتعل فانوس الكهرباء.. أعيد إطفاء الفانوس وإشعاله في لحظة سعادة تافهة فقط، لأنّ الكهرباء ليست مقطوعة.. فكرة الزرّ هذه فكرة عبقريّة: الزرّ له شبيه في عقلك.. حين تنشط شيئا في الذاكرة فكأنّك تضغط على زرّ استحضار الأشياء المخزّنة.. أزرار الآلات التي تشتغل بالكهرباء ومنها فانوسي المطفأ الآن تحتاج إذنا بالتنشيط، ولكنّ ذلك الإذن لا يكون كافيا لتشغيلها، هناك شيء كالتيار الكهربائيّ هو الذي يتحكم فيها إن كان موجودا اشتعل الفانوس وعمل الزر عمله، وإن لم يكن موجودا، عمل الزرّ ولكن بلا فائدة أو وظيفة.

أشعل الفانوس وأجلس إلى طاولة الطعام لأكتب، أنا أومن بأنّ هناك موائد للأفكار مثلما هناك موائد للطّعام.. ابتسمت في هذا الصباح المبكّر وخشيت أن تخرج ضحكتي فأوقظ النائمين هنا.. وضعت يدي على فمي وانخرطت في ضحك مجنون.. ما أضحكني هو أنّ ذهني أعجبته استعارة الأفكار غذاء، فظل يبحث عن فكرة توازي الموز: هل هناك أفكار كالموز معلّبة محكمة التعليب لا تفتح إلاّ من هنا وسهلة المضغ ومقبلة من بعيد.. هذه توصيفات سهلة.. لكنّ توصيفا آخر أربكني وزاد في موجة ضحكي، هو أنّ الموز طعام القردة.. ما الأفكار التي تكون طعاما للقردة؟ أمرت ذهني أن يتوقف عن الاسترسال في هذا التفكير، لأنّ ضحكي لم يعد يكتفي بالحركة والهمس، هو يريد أن يصوّت ليفضحني: كهل جاوز الخمسين يضحك في الفجر لا شكّ أنّ به مسّا من الجنون.

توقف ذهني عن الاسترسال في استعارة الأفكار، وفي معالجة الضحك لكنّه انصرف إلى شيء آخر فكّر في زرّ التصويت.. كان زرّ الصوت في الدماغ على أهبة الاشتغال، بل إنّه كان يشتغل قليلا وينطفئ كالفانوس منذ حين.. أجبرت ذهني على أن يترك زرّ الصوت ويضغط على زرّ الصمت. مهلا، مهلا, يا مُخيّخي العجيب: أيوجد زرّ للصمت أصلا؟ بعبارة أخرى إن كان للأصوات أزرارٌ تُنشّط لترُكّب وتؤلّف الكلام، أو لتكون أصواتا بشرية طبيعية لا تصدر بالضرورة من الحنجرة، فهل هناك زرّ اسمه الصمت؟ هل هو زرّ عام قادر على أن يمنع سريان الكهرباء على كلّ أزرار الصوت مهما كانت؟

في مقال له قديم حول الصمت في التواصل، يبدأ توماس برينو أستاذ جامعة رادفورد، كلامه بجملة مفتاح ينسبها إلى الفنّان الامريكيّ جون كايج يقول فيها: «لا يوجد صمت مطلق، إذ في كلّ مرّة يتولّد شيء يبعث صوتا». إن كان لا يوجد صمت مطلق فهذا يعني أنّ ما يسمّى صمتا هو صمت عن شيء ما: الصمت عن الكلام، صمت الطبيعة عن أن تصدر عناصرُها أصواتا: أن تتوقف الريح عن هبوبها وعزيفها وهزيزها وهرهرتها وزفزفتها وهتْفها ووسواسها.. يا الله ما هذا البذخ العربي في تسمية أصوات الريح في جميع أحوالها؟ إنّها العناية المفرطة؛ ومن اعتنى بصوت شيء اعتنى بالضرورة بصمته. هل يعني صمت الريح وسكونها شيئا بلا اقتران بأصواتها المختلفة. هزيم الرعد وهدير الموج.. تصوّت الكيانات في الطبيعة، ولكل منها أسماء، لكنّها حين لا تصوّت تستوي في اسم واحد هو الصمت. لماذا تحتفي اللغة بوسم الأصوات، ولكنها ترمي عظما واحدا للصمت وتقول له: هذا كفايتك؟ ألهذا الحدّ يكون الصمت موحّد الألوان؟ أنا لا يقنعني أن يكون الصمت شيئا واحدا، فما دام الصمت يتحدّد بالنسبة إلى الأصوات، ومادامت الأصوات ألوانا، فإنّ الصمت ألوان: فصمت الريح لون، وصمت الرعد لون، وصمت الموج لون، وصمت الضفادع عن أن تنقّ لون آخر يختلف عن صمت هديل الحمام. لكن ليست لدينا القدرة الكافية على أنْ نميّز هذه الألوان من الصمت، ولدينا القدرة على أن نميّز هذه الكثرة الكاثرة من الأصوات.
الصوت يعرّفني بهويّة الكيانات، وهي بعيدة عن ناظري أو ملمسي، لكنّ صمتها كالظلمة لا يريني شيئا منها. الصمت هو ظلام الأذن.
أنا لا أعرف ما أنواع صمت الببغاء معرفتي بنوع صوته؛ فحاجتي أن أعرف الكيانات الطبيعيّة بأصواتها، هي حاجة ماسّة لأميز بينها حين لا أرى جثتها أو شخصها.. الصوت يعرّفني بهويّة الكيانات، وهي بعيدة عن ناظري أو ملمسي، لكنّ صمتها كالظلمة لا يريني شيئا منها. الصمت هو ظلام الأذن.

أضغط على الزر فينطفئ الفانوس، ما زال الظلام يلفّ الخارج.. أظلّ صامتا أجرّب ظلمة الأذن، وقد جربت بقطع النور مرارا ظلام البصر.. الطبيعة لا تحرم الإنسان بصره وسمعه، إلاّ إذا كانت جائرة.. لأنّها ستجعله يعيش ليلين: صمته والدّجى الأبدي.. وحشة الظلمة مِن تذكّر رحم الأمّ؛ لقد كان مظلما بلا شكّ لكنّه لم يكن بلا صوت.. يسمع الجنين وهو في رحم أمّه الأصوات ويتفاعل معها قبل أن يأتي إلى هذا الكون.. هو يأنس بالأصوات المنبعثة من الخارج، ولا شكّ في أنه كان برما بأصوات الجسد الباطن الرتيبة.. الصوت رسالة الكون إلى الجنين ربّما تجعله في شوق إلى أن يخرج..

يبدأ عصفور بالزقزقة كأنّه يفطن قبل غيره إلى أنّ الفجر البعيد مقبل الصوت يخرق الصمت قبل أن يخرق النور الظلمة، بل هو يعلن أنّ الفجر آت.. كذا الصوت الأفضل في الكون، أن يقول لك وأنت في ظلامك شاعر أو غير شاعر أنّ الأفضل آت فقط إنهض وتكلّم.. أفكّر في ما قاله توماس برينو من أنّ الإنسان وحده ودون سواه من الكائنات قادر على أن يخلق الصمت، لأنّ وضع الحيوانات في هذا الكون يجعلها مجبرة على أن تجاري الضجيج، وهي تقف وجها لوجه أمام حالة اليقظة التي تعيشها. الإنسان يخلق الصمت وهو قادر على خلقه لكنّه يفعل ذلك لأنّ الكلام وجه يحتاج أرضيّة، ولا أرضيّة للكلام بما هو تقطيع نظامي متواضع عليه دون خلفيّة من صمت. جميل ما قاله برينو للتبسيط من أنّ الصمت هو بالنسبة إلى الكلام كالورقة بالنسبة إلى الكتابة فكما أنّه لا يمكن أن تكتب بلا ورقة، لا يمكن أن تتكلم بلا صمت.

لكن مهلا! ليست الورقة أرضيّة للمكتوب إلاّ بعد أن يُكتب؛ كانت الورقة قبل الكتابة سندا، وحين تنجز يصبح لكل كلمة من الكلمات المكتوبة وجه وأرضيّة وعمق. الكتابة تصوّر اللفظ المنطوق هذا رأي معلوم منذ القديم، ولكلّ صورة وجه وخلفيّة؛ وجه الكتابة هي حروفها وخلفيّتها هي الفضاء الفارغ من الورقة.. كذلك الصمت هو في الأصل سند يرسم عليه الكلام ثم حين يتمّ الكلام يصبح وجها ويصبح الصمت أرضيّة لا ترى كما يرى فراغ الورقة، ولكنّه يرى بعد ذلك بين صوتين مثلما يرى بياض الورقة بين كلمتين.

الكلام لا يشفّ عن صمته وهو يعمل ولكنّ الكتابة تشفّ عن ورقتها وهي تكتب.. هناك أمم لم تتعلّم أنّ الكلام والصمت لا يلتقيان: يدخــــــل أحدهما ليخرج الثاني.. هناك أمم تتكلم معا وتصمت معا، ولا تعرف أنّ الصمت قيلولة الضجيج على حدّ عبارة الصحافي الفرنسي جوزاي آرثر.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية