وكالة وطن 24 الاخبارية

 أكد الدكتور محمد المختار ولد اباه، رئيس جامعة شنقيط وأحد أبرز علماء موريتانيا، «أن واقع اللغة العربية اليوم مدعاة للغرابة والقلق والحزن، إذ إن دورها يتقلص ويتناقص، كما أنها تلهث وراءه المصطلحات العلمية، فلا تبلغ منها إلا النزر اليسير، إضافة لكونها مهجورة في بيتها، تقطع أوصال أدبها وتكسر جنباتها فوق الكراسي والمنابر، وتتهم بالعجز والتخلف والقصور».

جاء هذا التشخيص المقترن بالتحذير في عرض قدمه الدكتور ولد اباه أمام مؤتمر اللغة العربية في إفريقيا الذي أنهى أشغاله للتو في العاصمة الموريتانية نواكشوط.
وأكد الدكتور محمد المختار «أنه من المفارقات الغريبة أن يضعف أداء اللغة العربية، لغة الوحي والتنزيل، هذه اللغة التي تردد آياتها على ألسنة أكثر من مليار من البشر خمس مرات كل يوم، لغة الإعجاز والذكر المحفوظ، وبلاغة من أوتي جوامع الكلم وأفصح من نطق بالضاد، اللغة التي تحتمي بخلود القرآن، ومما امتازت به أننا نقرأ اليوم بها ما يقول أعراب الصحراء قبل عشرين قرناً، وهو ما يزال غضاً طرياً، وهي أيضاً، يضيف ولد اباه، لغة خطاب الإسلام الذي أصل قواعد التشريع، وفصل فروعه وحصل ثماره في أحكامه البينة وحكمه البالغة».

وقال: «لقد ظلت اللغة العربية طيلة قرون مرآة حضارة تنافست فيها العلوم والآداب والفنون، فلهج الشعراء بسحرها، والكتاب ببيانها وبديعها، والعلماء بسعتها ودقة تعبيرها، وسارت مع تطور الفكر وهيأت النمو المطرد، ففتحت أبواب النحت والانشقاق، وزاوجت بين الحقيقة والمزاج، ونقلت من أخواتها كل ما وافق صيغتها وأوزانها».

وعن أسباب وعوامل ضعف أداء اللغة العربية، أضاف الدكتور ولد اباه: «لم نتعود على النظر إلى مشاكلنا وجهاً لوجه، بل تعودنا على أن نلقي باللائمة على الغير فيما نعانيه، مبرزاً أن من أبرز أسباب هذا الضعف إخفاق النظم التربوية في إحلال الفصحى محل اللغة الأولى في الخطاب العادي والعملي، وإغلاق العامية دونها البيوت، إذ طاردتها في المدرسة وشدت اللغة الأجنبية عليها الخناق في الجامعة وتركزت الجهود في تضخيم مشاكل كتابتها».

وتوقف المحاضر عند دور اللغات العامية في إضعاف الفصحى، مبرزاً «أن اللغات العامية هي البنات التي تضار بوالدتهن، فالعاميات لا يكتفين بمزاحمة الفصحى في البيت والحياة، بل يضايقنها في الميدان الذي ينبغي أن يكون من اختصاصها كالآداب والفنون، وها هي العاميات تقتحم مجال الشعر والرواية والمسرح، وتكاد تحتكر كلمات الأغاني ونرى في كل هذا تطاولاً وحيفاً على اللغة العربية».

«غير أن الأخطر من هذا كله، يقول الدكتور اباه، هو أن أناساً اتخذوا العامية مطية لمكافحة الفصحى، ومنذ وقت غير قصير برزت دعوات مشبوهة تنادي بالنهوض في لهجات كل قطر، وتدوين قواعدها وكتابتها وتعليمها، ورافقت هذه الدعوة إنشاء مراكز متخصصة في الجامعات الأوروبية وصدور عدة كتب مدرسية لتعليمها، وقادة هذه الحملة معروفون، فكان من بينهم «وكولكوس وبيتا» في مصر، و»ماسنيون» في سوريا، ولقد لقوا آذاناً صاغية من بعض أعلام الفكر العربي».

وتوقف ولد أباه أمام منافسة اللغات الأجنبية للغة العربية، موضحاً «أن هذه اللغات فرضت في ميادين العلوم العصرية ومجالات البحوث والدراسات المتخصصة والمراجع الموسوعية الحديثة وغرزت الطبقات العليا في المجتمع العربي، حاملة معها ما يلزم من منهج وسلوك، فصارت وكأنها المثل الأعلى في الخطاب والإبداع والإنتاج الفكري وكل هذا على حساب اللغة العربية بما فيها العامية».

وعن مشكل الكتابة، أوضح ولد اباه «أنه لا جدال في وجود بعض الصعوبات التي تعترض قارئ اللغة العربية إذا لم يكن المقروء مضبوط الشكل، ويريد خصوم الفصحى تضخيم هذه المشكلة لهوى في نفوسهم، فيطلقون الشعار القائل: إن اللغات العادية تقرأ لتفهم وإن العربية تفهم لتقرأ؛ والحقيقة، يضيف المحاضر، أن عملية الفهم والقراءة الصحيحة لا تنفصل في أي لغة، والفهم يتوقف على مستوى من المعرفة يتناول ألفاظ النص ومعانيه كلما تمكن القارئ من اللغة سهل عليه فك رموز الكتابة والتغلب على غوامضها».

وخصص الدكتور ولد اباه وقتاً طويلاً في عرضه لاقتراح آليات علاج ما تعانيه الفصحى من ضعف وترهل، فدعا «إلى شد دعائم لغتنا، وأن نحرك طاقاتها الكامنة حتى تتبوأ مقعدها بين لغات عالم لا يرحم الضعيف ولا يترك مكاناً للمستكين».

وحدد المحاضر أربع من هذه الدعائم اعتبرها مدخلاً للعلاج، هي المدرسة من الروضة إلى الجامعة، الإعلام العربي، والجامعات والهيئات المتخصصة، والإرادة السياسية.

وعن الدعامة التربوية في العلاج، أكد المحاضر على «أهمية مرحلة تنمية التعليم اللغوي التي تستمر مدى الحياة، وفيها على التلميذ والمتعلم والطالب والأستاذ، مواصلة الرحلة مع لغته عبر مراحل الحياة وتنوع المشاغل».

وبخصوص الدعامة الإعلامية، أوضح المحاضر أنه بقدر ما نلوم الصحافة العربية على ما تمارسه من التساهل في الأداء وفي الاقتراض والترجمة الحرفية من اللغات الأجنبية، بقدر ما نعترف لها بدورها البالغ في نشر العربية وتبسيطها وإيصالها للجماهير، ذلك أن الإعلام العربي، المقروء والمسموع والمنظور، يساهم بصفة مؤثرة في نقل الوقائع اليومية ومعالجة القضايا الراهنة بلغة عربية ومقبولة، فاستطاع بذلك تضييق الهوة بين اللهجات العامية وبين الفصحى، مما يساعد على إشاعتها وترسيخها».

وفي المحيط العام للإعلام العربي، لا بد من الإشارة إلى جوانبه الثقافية والفنية التي تصدر عنها الأفلام والمسلسلات الواسعة الانتشار، ومن الملاحظ أن جلها كتب باللهجات العامية. وقد رأينا ما في ذلك من مس بتوحيد اللغة بين الأقطار العربية.

وقال: «المطلوب أن يعي هذا الإعلام دوره وأن يقدر مسؤوليته الثقافية بالجد والاجتهاد في تحسين أساليبه اللغوية وبلورة نموذج يجمع بين البساطة في التعبير واحترام القواعد الأساسية، ولا بد من تضافر جهود الدوائر الحكومية المسؤولة عن الإعلام الرسمي مع فعاليات الإعلام الخاص الذي أصبح مجاله يستع يوماً بعد يوم».

وبخصوص العامة المجمعية، أكد ولد اباه «أن العالم العربي يتوفر اليوم على اثنتي عشرة مؤسسة مجمعية متنوعة الأهداف والأنشطة، من أبرزها مجمع اللغة العربية في دمشق ومجامع بغداد وعمان ومجمع القاهرة الذي يتميز بنشاطه الثقافي والمجمعي البارز لما يضطلع به من مهام خطيرة في وضع المصطلحات العلمية وإضفاء الشرعية اللغوية على الألفاظ والأساليب الجديدة إثراء للغتنا».

ولم يغفل الحاضر في عرضه الدعامة السياسية في علاج ضعف أداء اللغة، فأكد «أن على قادة الأمة العربية والمسؤولين في دولها على كل المستويات حماية لغتهم القومية، التي هي جزء لا يتجزأ من كيانهم وهويتهم وسيادتهم، وهي الأساس لمقومات هويتهم ودينهم وكرامتهم».