وكالة وطن 24 الاخبارية

تحت عنوان «آخر ألعاب الساحر» كتبت أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية تستبق الانتخابات الإسرائيلية، مبتدئة من «الساحر» بنيامين نتنياهو؛ الذي يستأنف ما بات أقرب إلى «الطقس الإسرائيلي» المتكرر في كلّ موسم انتخابي، حين يشرع زعيم الليكود في نبش الأحابيل والفزاعات، التي تستثير همّة أنصاره أو تفزعهم: شتم الأقلية العربية في دولة الاحتلال، أو التحذير من التلاعب بالتصويت، أو الحثّ على تخيّل عضو في الحكومة الإسرائيلية يدعى أحمد (الطيبي، أغلب الظنّ). كذلك لن يتورّع عن التلويح بأكثر من جزرة، كأن يعد بضمّ غور الأردن، حتى إذا كان هذا الوعد محلّ حرج أو استياء أو حتى رفض من جانب أخلص حلفاء دولة الاحتلال وأصدقائها. 

أواخر آذار (مارس) المنصرم، وعشية انتخابات الكنيست الأولى لهذا العام، التي جرت في نيسان (أبريل)؛ حمل غلاف الـ«إيكونوميست» صورة نتنياهو مرفقة بعبارة «بيبي الملك»، وأوضح تحرير المجلة بأنّ ألقاب «الرابح» و«الساحر» و«ملك إسرائيل» تتزاحم على شفاه أنصاره. 

وبالفعل، كانت أبرز ألعابه في تلك الدورة أنه كُلّف مجدداً بتشكيل الحكومة، ولكن فشله في هذه المهمة لم يسقط عنه الصفة التي حلم بها، وانتظرها أتباعه بشغف ولهفة: كسر الرقم القياسي كرئيس الحكومة الاطول عهداً في تاريخ الكيان، بما يعني هزيمة الرائد الأوّل دافيد بن غوريون. ولم يكن غريباً أن تكتب الـ«إيكونوميست» أنّ نتنياهو «يجسّد سياسة استعراض العضلات القوموية، والشوفينية، واحتقار النخب، قبل وقت طويل من انقلاب هذه الشعبوية إلى قوّة كونية»؛ ولهذا فإنّ من الطبيعي أن تضمّ لائحة اصدقائه أمثال دونالد ترامب والهندي نارندرا مودي والهنغاري فكتور أوربان والإيطالي ماتيو سالفيني.
وقد يكون مفيداً البقاء مع هذه الأسبوعية البريطانية، ليس لأنها أبرز المنابر الإعلامية المعبّرة عن مصالح مؤسسات المال والأعمال الكبرى، فحسب؛ بل لأنها، أيضاً، في طليعة الأعرق والأكثر رصانة، و… الأقلّ عداء للكيان الصهيوني. وهكذا، في العودة إلى خريف 1997، مطلع تشرين الأول (أكتوبر)، حين شنّت افتتاحية الـ»إيكونوميست» هجوماً كاسحاً ماحقاً، بل ومقذعاً في الروحية العامة والعديد من المفردات، ضدّ نتنياهو. العنوان وصفه بـ«الأخرق على حلقات»، أو على نحو مسلسل بدأت فصوله الأولى منذ أيار (مايو) 1996حين انتخبه الإسرائيليون، فأدخلوا بذلك انعطافة نوعية على تقليدهم العتيق في الموازنة الانتخابية بين اليمين ووسط اليسار؛ الأمر الذي لم يكن يشكل أي فارق كبير في العادة، ولكنه مع انتخاب نتنياهو صنع الفارق، كلّ الفارق.

ولقد ختمت الأسبوعية االبريطانية بالتساؤل التالي: «في الماضي تمتع نتنياهو بفضيلة الشك، فهل تتواصل هذه الحال إلى ما لا نهاية؟ كلا بالتأكيد»؛ لأنّ دولة الاحتلال «إذْ تدخل نصف قرن من عمرها، لا تستحقّ رئيس الوزراء الذي يحكمها الآن. وينبغي عليه أن يرحل». من جانبه واصل الناخب الإسرائيلي تسفيه نبوءة الـ»إيكونوميست»، فضرب نتنياهو الرقم القياسي، والآن أيضاً لا يلوح أنه يعتزم الاعتزال الطوعي رغم آمال خصومه في أنّ الضربة التي تلقاها من صناديق الاقتراع قبل أيام سوف تطوي صفحته، مرّة وإلى الأبد. تفكير رغبوي بالطبع، غير مفاجئ اليوم كما كانت عليه الحال منذ انتُخب نتنياهو زعيماً لحزب الليكود وبات مرشحه المزمن لانتخابات رئاسة الوزراء؛ أو حتى حين حلّت عليه نقمة الناخب في سنة 1999، فمُني بهزيمة ساحقة مهينة أمام إيهود باراك، أجبرته على الاستقالة الفورية. وإذا كان في هذه الحلقة التعاقبية، الأشبه بالباب الدوّار، بعض قواعد تبادل السلطة في اللعبة الانتخابية؛ فإنّ فيها أيضاً الكثير من ذلك المزاج الخاصّ الذي يتحكّم بالناخب الإسرائيلي وبصندوق الاقتراع تحديداً: مزاج الخوف من السلام الذي يبلغ درجة الرهاب، والانكفاء إلى الشرانق المعتادة القائمة على التدين أو العنصرية أو الاستيطان أو التيه الصهيوني…
سواء شاء نتنياهو أم أبى، فإنّ أفكار الحاخام كاهانا سوف تخيّم على جلسات التفاوض مع الأحزاب الدينية، على نحو أكثر كابوسية من مناورات أفيغدور ليبرمان التي تنتهي دائماً إلى تنغيص أحلام «الملك».
وفي ضوء النتائج شبه النهائية لانتخابات الكنيست الأخيرة، وجرياً على نهجه القديم المتماثل في صياغة التحالفات على أيّ نحو يكفل له رئاسة الحكومة، اجتمع نتنياهو مع الأحزاب اليمينية والمتدينة، وأعلن ببساطة: «هناك خياران فقط: حكومة بقيادتي، أو حكومة خطيرة تعتمد على الأحزاب العربية». وفي استخدام، قديم بدوره، لواحدة من «ألعاب الساحر» إياها، أضاف نتنياهو: «هذه المرّة، أكثر من أي وقت مضى، وخاصة في مواجهة تحديات أمنية وسياسية على المحك، يجب منع تشكيل حكومة تعتمد على أحزاب معادية للصهيونية. يجب بذل كل الجهود لمنع حكومة خطيرة مثل هذه». في المقابل، تقول المعلومات إنّ أياً من الأحزاب الإسرائيلية، الصهيونية في عبارة أخرى، لم يتجاسر على طرح فكرة وجود النوّاب العرب من «القائمة المشتركة» في أيّ تشكيل لحكومة إسرائيلية جديدة؛ وبالتالي فإنّ تحذيرات نتنياهو لن يكون لها صدى حين يقلّب رئيس الكيان رؤوفين ريفلين الرأي في شخصية المكلّف بتشكيل الحكومة.

في المقابل، قد يشحذ ريفلين ذاكرته قليلاً، فيعود بها القهقرى عقداً من الزمان حين كان رئيساً للكنيست عن حزب الليكود أيضاً، فدخل في شجار مع ميخائيل بن ـ آري، العضو الجديد في الكنيست عن حزب «الوحدة الوطنية» اليميني الديني المتطرف، حامل راية «كاخ»، حزب مئير كاهانا السابق، المحظور منذ 15 سنة؛ بسبب إصرار بن ــ آري على إحياء ذكرى كاهانا، الحاخام المتطرّف الذي اغتيل في نيويورك سنة 1990، داخل جدران الكنيست، على غرار الاحتفال المعتاد الذي يُقام في ذكرى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين. وليس الأمر أنّ ريفلين كان يكره صاحب الذكرى إلى درجة حظر الاحتفاء به، بل السبب ببساطة هو مقدار الحساسيات التي قد تنشأ عن قيام هذا الرجل بالذات بإحياء الذكرى. لقد سجّل بسلوكه المتطرّف سابقة كبرى حين اعتقلته الشرطة الإسرائيلية وقيّدته بالأصفاد رغم حصانته الدبلوماسية، بعد إصراره على اعتلاء شاحنة عسكرية والخطابة منها ضدّ تفريق تظاهرة لمستوطنين متطرفين. كذلك أعلن على الملأ أنه يفضّل تشغيل الرجل بدل المرأة، التي ينبغي أن تمكث في البيت، فتحصل بذلك على إجازة أمومة مفتوحة! هذا الرجل، وحزبه، محطّ اهتمام نتنياهو في رصّ صفوف ما هبّ ودبّ من أحزاب ونوّاب، وهذا هو النموذج الصهيوني المناقض لشخص الفلسطيني أحمد الطيبي، مثلاً!ّ

وسواء شاء نتنياهو أم أبى، فإنّ أفكار الحاخام كاهانا سوف تخيّم على جلسات التفاوض مع الأحزاب الدينية، على نحو أكثر كابوسية من مناورات أفيغدور ليبرمان التي تنتهي دائماً إلى تنغيص أحلام «الملك». وتلك أفكار تحثّ على «تنظيف» اليهودية من الأدران الديمقراطية والليبرالية التي لحقت بها جراء الاندماج مع الصهيونية، وعلى تطهير الجسد من أوساخ «الكلاب وبنات آوى»، أي العرب: «قد يأتي الخلاص في أية لحظة، وببهاء غامر ومجيد، لو اقترنت أفعالنا بما أمرنا الربّ به. سوى ذلك، ستحلّ الكارثة على هيئة مأساة شاملة رهيبة إذا رفضنا الإنصياع لكلام الربّ. والمعيار الأكبر لليهودي الحقيقي هو استعداده لوضع الخوف من الله قبل الخوف من البشر، واستعداده لطرد العرب أجمعين من أرض إسرائيل».

صهيونية هذه الأيام لا تتضارب، في الممارسة بادئ ذي بدء، مع تنظيرات كاهانا الباقية والمعششة والفاعلة، بل تتكامل معها وبها أيضاً. وهل الدورة طويلة في الزمان، بين سلوك جيش الاحتلال عند حاجز قلنديا في الإجهاز على الفلسطينية الشهيدة آلاء وهدان، وأفكار كاهانا والورثة من بعده؛ في كيان عنصري استعماري استيطاني قام على الاغتصاب، وتماهى مع الفاشية، ويرتدّ إلى أقصى أنماط ذلك التماهي، اليوم وكلّ يوم؟

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس