وكالة وطن 24 الاخبارية

لا أستطيعُ منعَ نفسي من الشعور بأنّ كتابةَ خاتمةٍ مَّا لنصٍّ مَّا إنّما هي إرغامٌ له على الموتِ، هكذا يبدو لي الأمرُ، ذلك أنّ فضلَ القراءةِ أنْ تُخرجَ النصَّ الإبداعيَّ من الكتابِ، وتَجعلُه فضاءً بلا تخومٍ نقف عليها وننظر إلى ما يوجد خارجَه، ذلك أنّ النصَّ المقروءَ نصٌّ بلا خارِجٍ، إنّه الدّاخل والخارج معًا، أي هو كونٌ بأكمله: كونٌ بلا جغرافيا تُعيِّنُ حدودَه. إنّ الخاتمة والخَتْم والخِتام والخاتَم كلّها تنويعاتٌ لدَلالة واحدة هي اكتمالُ الدائرة وإعلانُ النهايةِ والانغلاقِ، والحالُ أنّ كلّ نصٍّ إنما هو بدايةُ معنى وبدايةُ حياة تنتظر أن يعيشها القارئ. وعليه، يجوز لي القول إنّ الخاتمةَ في الأدب إنما هي إجهاضٍ لرَغبةِ النصِّ في أن يحيا، إنها حدثٌ مجّانيٌّ صغيرٌ يُنهي حياةً ممكنةً كبيرةً، وقد أميل إلى تشبيهها بتابوت نظيفٍ يُسجَّى فيه النصُّ ليُمْتَدَحَ بتملُّقٍ -في لحظةٍ رِثائيةٍ قصيرةٍ- ثم يُغْمَرُ بتُراب النسيان أبدًا. إنّ الخواتيمَ ضدّ معنى الكتابة، بل أقولُ إنّ جوهرَ الكتابةِ ذاتِها هو تجاوزٌ دائمٌ لمفهومِ الخواتيمِ: هو تفجيرٌ لها. لا أستطيع أنْ أمنع نفسي من الاعتراف بأني أخاف الخواتيمَ، أخافها لأنّها تُسيّج حُلْمي، وتحدُّ من حياتي داخل النصِّ، وتُنبئني بضرورة التجهُّزِ للخروجِ من الدنيا حيثُ يهيجُ العدمُ وعُسْرُ الحِسابِ. الأثر الإبداعيّ كائنٌ لانهائي، وليست لانهائية الأثر الأدبي، من وجهة نظر معيّنة، إلا من لانهائية دَلالاته، وقد نستفيد في تأكيد هذا الأمرِ من رأي موريس بلانشو الذي جاء في قولِه إنّ: «الأثر الإبداعي – فنيًّا كان أو أدبيا- لا يكون منتهيًا أو غيرَ مُنتهٍ، وإنما يكون هو فحسبُ». 
٭ ٭ ٭
جاء في لسان العرب القولُ: «والخَتْم على القَلْب: أَنْ لا يَفهَم شيئاً ولا يَخرُج منه شيءٌ كأَنه طُبِعَ. وفي التنزيل العزيز: خَتَم اللهُ على قلوبهم؛ هو كقوله: طَبَعَ الله على قلوبهم، فلا تَعْقِلُ ولا تَعِي شيئاً؛ قال أَبو إِسحق: معنى خَتَمَ وطَبَعَ في اللغة واحدٌ، وهو التغطيةُ على الشيء والاستِيثاقُ من أَنْ لا يَدخله شيء كما قال جلّ وعلا: أَمْ على قلوبٍ أَقفالُها».

٭ ٭ ٭

كتابةُ خاتمةٍ لنصٍّ إبداعيّ هي قراءةُ كاتبِه له. بقيَ أنه ليس من مهمة الكاتب أن يقرأ نصَّه، مهمته أن يقرأ نصَّ الواقع ونصوصَ الكتّاب الآخرين. أَنْ أكتُبَ خاتمةً لنصٍّ كتبتُه يعني أنْ أقرَأَه للقارئ؛ أنْ أُجمِلَ معاني النصِّ وأُعيد قولَه للقارئ باختصارٍ، ومن ثَمَّ تكُون الخاتمةُ نصًّا ثانيًا يعيش على جاهِ النصِّ الأوّل ويسعى إلى أنْ يُلغي كيانَه لينوبَ عنه -بلا حياءٍ- في كلّ شيءٍ حتّى في مَهَمّة فتحِ آفاقٍ جديدةٍ للموضوع المكتوبِ على حدِّ ما هو شائع في الخواتيمِ. وأقدِّرُ أنّ في هذا ما خلق لدى بعضنا نوعًا من القراءة جديدًا يكتفي فيه القارئ بالخاتمة بديلا عن النصِّ. ومِن أجلى صُوَرِ ذلك أنّ خواتيمَ بُحوث الطلبةِ تتحوّل بالنسبة إلى الجامعيّين الكُسَالَى إلى عيّناتٍ يكتفون بالواحدة منها مُرْتكَزًا لتقويم عمل الطالِب دون واجب قراءة نَصِّ بحثِه، وهي الحالة الوحيدة التي تجد فيها كتابةُ الخاتمة وَجاهتَها، وهي أيضا الحالة الوحيدة التي تموتُ فيها البحوثُ. غير أنه مهما اجتهد كاتبٌ في جعل الخاتمةِ مُجْمِلةً لمعاني نصِّه فثَمَة دائِمًا معنى فيه تنساه الخاتمةُ أو تتناساهُ وترغب عن قوله.

٭ ٭ ٭

النصُّ النقديُّ نصٌّ إبداعيٌّ، أو هكذا يجب عليه أن يكون الآن، وإضافةُ خاتمةٍ له أمرٌ شبيهٌ بأنْ يُطلَبَ من روائيٍّ، أو من أيّ مبدع آخر، أنْ يكتُبَ خاتمةً مستقلّةً يُجْمِل فيها أحداثَ روايته ويذكر جمالياتِها. ليست الخاتمة من أمر كاتب النصِّ إذن، لأنه موجودٌ فيه، وإنما هي من أمر القارئ وحده. فَلْيكتب القرّاءُ خواتيم ما يقرؤون.

٭ كاتب تونسي